حتى الانقلابات في الأزمنة السابقة، على ما فيها من عنف، كانت تخضع لمنطقٍ ما؛ منطق الحسم.
فإذا نجح الانقلاب، حسم أمره سريعًا: صُفِّي الخصوم، واستُولي على السلطة، دون أن تُغرق البلاد في حروب شوارع طويلة أو استنزاف مفتوح للشعب ومعيشته.
وإذا فشل، حسمت الدولة أمره هي الأخرى: قُدِّم قادة الانقلاب للمحاكمة، وصُفِّي من ثبت تورطه، وانتهت القصة خلال ساعات، أو في أقصى الأحوال خلال ثمانٍ وأربعين ساعة.
أما انقلابات هذا الزمن، وطريقة تعامل السلطات معها، فتبدو وكأننا أمام مباراة كرة قدم: شوط أول، شوط ثانٍ، وقت إضافي، وربما إعادة مباراة، وأحيانًا يتم “تأهيل” الانقلابيين والسلطة معًا إلى “دور الأربعة”!
منذ عام 2004، ونحن نعيش تداعيات فلسفة عدم الحسم مع حركات التمرد والانقلابات. انقلاب يفشل، ثم لا يُحاسَب إلا رأسه، بينما تُترك الأذرع، واليمنى واليسرى، في مواقعها، وكأن شيئًا لم يكن. وهذا، بمنطق الدولة، لا يستقيم.
في أي نظرية سياسية جادة، الدولة التي تواجه قوة مسلحة انقلبت عليها لا تحاكم شخصًا، بل تفكك منظومة:
قيادة تُحاسَب،
وقوة تُفكَّك،
وشبكة تُجتث.
أما أن يُحاكم الرأس وتُترك الأدوات، فذلك ليس عدلًا ولا سياسة، بل تأجيل للصراع في دورة جديدة، وبكلفة أعلى.
ما يحدث هو إعادة إنتاج سيناريو “ترحيل الأزمة”، لا إنهائها.
والبلاد أنهكت، والشعب أُنهك، ولم يعد يحتمل إدارة الكوارث بدل حسمها. الناس لا يريدون هدنة مع الفوضى، بل نهاية لها.
لا يستقيم عقلًا ولا منطقًا أن يحال عيدروس الزبيدي إلى المحاكمة – بتهمة الخيانة – بينما ذراعه اليمنى في إدارة الانقلاب تبقى دون مساءلة، وذراعه اليسرى يُتعامل معها بدلال سياسي.
فالجرائم لا تُجزَّأ، والانقلابات لا تُختزل في فرد.
ما حصل، بحسب الوقائع، أن قيادات عسكرية وأعضاء في مجلس القيادة تآمروا مجتمعين مع دولة الإمارات لتنفيذ انقلاب مكتمل الأركان، استهدف – في جوهره – اغتيال أو اعتقال رئيس مجلس القيادة وتقويض بنية الدولة.
الزبيدي، والمحرمي، والبحسني، وطارق صالح، شركاء في جريمة واحدة، اختلفت أدوارهم وتوحّدت غايتهم: تهديد أمن البلاد، وتقويض الدولة، وضرب وحدة اليمن.
في التاريخ أمثلة صارخة:
بعد فشل انقلاب 1920 في ألمانيا (انقلاب كاب)، لم تكتفِ الدولة بملاحقة الواجهة، بل أعادت هيكلة المؤسسة العسكرية خوفًا من تكرار التمرد.
وفي تركيا، بعد محاولة انقلاب 2016، لم تُحاكَم الواجهة فقط، بل فُككت الشبكات، وأُعيد تعريف العلاقة بين السلاح والدولة، لأن الدولة أدركت أن ترك الأدوات أخطر من الرأس نفسه.
السؤال الجوهري الذي يجب طرحه:
ماذا لو نجح هذا الانقلاب؟
هل كانوا سيتعاملون مع قيادات الدولة بهذه “المرونة”؟
التجربة تُجيب: لا.
بمجرد سيطرتهم على حضرموت، لم يكتفوا بذلك، بل ذهبوا أبعد: هددوا أمن المملكة، باشروا خطوات تمزيق البلاد، صفّوا قادة الجيش وضباطه وجنوده، طاردوا الأعيان والمشائخ، حاصروا القرى، اقتحموا المنازل، وانتهكوا حُرمة البيوت.
هذه ليست أخطاء سياسية، بل جرائم مكتملة الأركان.
ومكان مرتكبيها ليس طاولة تسويات، بل قفص الاتهام.
الدولة، إن أرادت أن تبقى، لا تُساوم على سيادتها، ولا تؤجل حسم من رفع السلاح في وجهها.
فالتاريخ يُعلّمنا درسًا واحدًا قاسيًا:
الدولة التي تعجز عن الحسم مع الانقلاب لا تؤجّل الخطر، بل تُراكِمه. فهي لا تطفئ النار، بل تُبقيها جمرةً تحت الرماد، تعود اشتعالًا في الانقلاب التالي. ومنذ عام 2004، ونحن نعيش هذا المنطق المعكوس: حرب لا تنتهي، لأنها لم تُحسَم في لحظتها الأولى.
آن الأوان، يا فخامة الرئيس، أن يُستعاد معنى الدولة بوصفها قرارًا لا تردّد فيه، وأن يُغلق هذا الباب نهائيًا، فالتاريخ لا يعاقب على القسوة بقدر ما يعاقب على التردّد ..