في النقاش الدائر حول المجلس الانتقالي، يبرز قدرٌ واضح من الخلط في توصيف طبيعة الخصومة، وهو خلطٌ يستدعي إعادة ضبط المفاهيم قبل المواقف، لأن السياسة حين تفقد دقتها المفاهيمية تتحول إلى صراع انفعالي لا يُنتج حلولًا.
إن الخصومة مع المجلس الانتقالي لم تنشأ بوصفها خلافًا مع أفراد أو جماعات اجتماعية، ولا باعتبارها صدامًا بين شمال وجنوب، بل تأسست بنيويًا على حقيقة جوهرية: التبعية المطلقة لهذا الكيان لدولة الإمارات. فالمجلس، من حيث النشأة والبنية والوظيفة، لم يتكوّن كتعبير عن إرادة سياسية يمنية مستقلة، بل كأداة ضمن مشروع خارجي، تُدار قراراته وحدوده من خارج السياق الوطني. ومن هذه الزاوية تحديدًا نشأت الخصومة، لا من أي اعتبار آخر.
أما العلاقة مع قيادات المجلس وأعضائه، فهي لا تُفهم في إطار الخصومة الشخصية أو الإقصاء الجماعي، بل في إطار المسؤولية الفردية. فالمعيار هنا قانوني وأخلاقي: من تورّط في انتهاكات بحق المواطنين، أو شارك في قمع الخصوم، يخضع للمساءلة، ومن لم يتورط يبقى شريكًا في الوطن، لا خصمًا فيه. هذا التمييز ضروري، لأنه يفصل بين الكيان كوظيفة سياسية خارجية، وبين الإنسان كمواطن له حقوق وعليه واجبات.
ومن منظور أعمق، فإن ما يجمعنا بإخوتنا في المجلس الانتقالي يتجاوز بكثير ما يفرقنا. فنحن نلتقي معهم في جوهر القضايا الكبرى: رفع المظالم، وتحقيق العدالة والمساواة، واستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي في صنعاء. وحتى الخلافات حول سقوف الطرح السياسي، مهما بدت حادة، تبقى في جوهرها خلافات داخل البيت الواحد، لا صراعًا بين أعداء وجوديين.
المفارقة المؤلمة أن المظلومية التي يُعبّر عنها الجنوبي هي ذاتها التي يعيشها الشمالي، وإن اختلفت الجغرافيا وتنوّعت السياقات. وإذا ارتفع منسوب الوعي السياسي، سنكتشف أن الأزمة اليمنية، شمالًا وجنوبًا، تختزل في عاملين حاسمين:
نخب فاسدة وعاجزة عن إدارة الدولة، ومشاريع خارجية وجدت في هذه النخب أدواتٍ بلا حس وطني. وهنا تتقاطع المأساة، لا تتباعد.
وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن مسألة حل المجلس الانتقالي – بغضّ النظر عن توقيتها أو ظروفها – لا ينبغي قراءتها بوصفها انتصارًا على أعضائه أو إذلالًا لقاعدته الاجتماعية. هذا تأويل انفعالي وخاطئ. الحقيقة السياسية الأعمق أن ما جرى هو تفكيك بنية تنظيمية ذات وظيفة إماراتية، بقرار يمني–سعودي مشترك، استند إلى إدراك خطورة استمرار كيان يُدار من الخارج على الدولة والمنطقة معًا.
والتعاطي المسؤول مع هذه الحقيقة يقتضي الاعتراف بأن الإمارات لم تتعامل مع جزء من اليمن بوصفه مكوّنًا وطنيًا، بل حوّلته إلى منصة تهديد إقليمي، لا لليمن وحده، بل لمحيطه بأسره، ضمن مشروع هيمنة يتجاوز الحدود. وهذا يتناقض جذريًا مع طبيعة العلاقة التاريخية بين اليمن والمملكة العربية السعودية.
فما يجمع اليمن والسعودية ليس تحالف مصالح ظرفي، بل رابطة جغرافيا ودين وعروبة وتشابك اجتماعي ومصير مشترك. نعم، نختلف مع المملكة في بعض سياساتها داخل اليمن، ومنها التغاضي في مراحل سابقة عن العبث الإماراتي، لكن السياسة لا تُدار بمنطق القطيعة، بل بمنطق المراجعة والتصحيح، وقد بدأ هذا التصحيح بالفعل.
واليوم، وبعد خروج الإمارات من اليمن مهزومة سياسيًا وأخلاقيًا، تتقدم مهمة أكثر عمقًا: إنهاء المشروع الإيراني وأداته الطائفية، لأن استعادة اليمن لا تكتمل بإزالة أداة وترك أخرى. فالدولة لا تُبنى بنصف سيادة، ولا تستعاد بتوازنات مليشياوية.
إن الخلاف على معالجة المظالم مشروع، لكن الخلاف على مبدأ السلمية مرفوض. فانتزاع الحقوق لا يكون بالبندقية، ولا بتكريس منطق القوة، بل ببناء عقد اجتماعي جديد، يُنهي منطق الغلبة ويؤسس لمنطق المواطنة.
فلنفتح أبواب الحوار بسقوف مفتوحة، دون أن نُصوّب السلاح إلى صدور بعضنا البعض. ولندرك، كحقيقة نهائية لا تقبل الجدل، أن اليمن ليس خيارًا سياسيًا بل قدرًا تاريخيًا؛ قدرُ الشمال والجنوب معًا، وعزّهما المشترك، ومستقبلهما الواحد. ومن هذا الإدراك فقط، يولد عقدٌ اجتماعي عادل، يجعل الجميع سواسية أمام القانون، في الحقوق والواجبات، ويُخرج اليمن من دائرة الصراع إلى أفق الدولة ..