يكشف الإعلام السعودي، بوثائق ومعطيات واضحة، أن الاختلالات الأمنية التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن عقب تحريرها، لم تكن أحداثًا عشوائية أو نتاج فوضى ما بعد الحرب، بل كانت تقف خلفها دولة الإمارات العربية المتحدة بصورة مباشرة أو عبر أدواتها.
وكانت جريمة اغتيال محافظ عدن، اللواء جعفر محمد سعد، واحدة من أبشع تلك الجرائم وأكثرها دلالة.
واليوم، تعود صحيفة الوطن السعودية لنشر تفاصيل دقيقة حول عملية الاغتيال، كاشفةً كيف سارع الإعلام الإماراتي وأذرعه في عدن إلى تحميل تنظيمات إرهابية مسؤولية الجريمة، في محاولة مكشوفة للتضليل وصرف الأنظار عن الجهة الحقيقية التي وقفت خلفها.
وتكشف هذه الوقائع حقيقة مُرّة:
أن اليمن، منذ اللحظة الأخيرة لتحرير العاصمة عدن من مليشيات الحوثي وحتى اليوم، وقع ضحية مؤامرات ممنهجة وجرائم منظمة قادتها الإمارات، مستهدفة الأمن، والدولة، والنسيج الاجتماعي، والمستقبل السياسي للبلاد.
نحن لا نتحدث عن تجاوزات أو أخطاء سياسية، بل عن نمط إرهابي ممنهج يفوق في خطورته إرهاب التنظيمات المتطرفة، لأنه ارتدى غطاء “التحالف” و”الدعم”، بينما كان يضرب الدولة من الداخل.
مسلسل التفجيرات، واقتحامات المنازل، وعمليات الاغتيال، والتهجير القسري، وتغذية المناطقية، والتحريض الإعلامي الممنهج ضد أبناء المحافظات الشمالية، وصولًا إلى تهجير عشرات الأسر على متن الشاحنات، جرائم لم تُرتكب بمثل هذا النسق إلا في ظل أنظمة احتلال عنصري، لا في دول تدّعي الشراكة أو الأخوة.
ما فعلته الإمارات في اليمن لم يكن عابرًا، بل جريمة تاريخية ممتدة، تسببت في إضاعة أحد عشر عامًا من عمر شعب كامل، وسرقة مستقبل جيل، وتدمير مقومات الاستقرار لدولة بأكملها.
والحديث عن جرائم الإمارات في اليمن يتجاوز في فداحته ما سطّرته كتب التاريخ عن جرائم التتار، من حيث المنهج، والاستهداف، وتدمير الإنسان قبل العمران.
أحد عشر عامًا أبقت فيها الإمارات الشعب اليمني معلقًا بين الحياة والموت، بين الجوع والفقر، والخوف والرعب.
سجون سرية، اختطافات، أجهزة أمنية قمعية لا علاقة لها بمفهوم الدولة، مرتزقة أجانب لتنفيذ عمليات اغتيال، تحريف للخطاب الديني، إقصاء للهوية الوطنية، وتعزيز للانقسام المناطقي.
رعاية انقلابات مسلحة، اغتيال قادة وطنيين، محاولات اغتيال الرئيس عبدربه منصور هادي، ومحاولة اغتيال رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، ومنع عودة الرئيس والحكومة ومؤسسات الدولة.
نهب الموارد عبر مليشيات تابعة لها، تدمير العملة الوطنية، تهريب السلاح إلى الحوثيين، وإدامة الحرب بوصفها أداة نفوذ.
أمام كل ذلك، يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي:
أي نظام هذا الذي يحكم الإمارات؟
لا يمكن لمن يمارس هذا المستوى من التوحش أن تكون له صلة بإنسانية البشر، أو بقيم الدولة، أو بمعنى الاستقرار.
ومن هنا، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض على كل يمني — سياسيًا كان أو مثقفًا أو إعلاميًا أو مواطنًا بسيطًا — أن يوثق، بلا خوف أو تردد، تفاصيل أحد عشر عامًا من الجحيم الذي عاشه هذا الشعب تحت إرهاب دولة منظّم رعته أبوظبي.
•• جحيم الأحد عشر عامًا
أحد عشر عامًا لم تكن زمنًا عابرًا، بل حفرة تاريخية سقط فيها وطن كامل.
أحد عشر عامًا تحوّلت فيها الحياة إلى انتظار، والبيوت إلى مقابر مؤجلة، والطفولة إلى ذاكرة خوف.
لم يكن الموت وحده ما يحاصر اليمنيين، بل حياة بلا معنى، بلا أمان، بلا دولة.
إنها سنوات من إرهاب الدولة، حين يصبح القتل سياسة، والفوضى أداة، والجوع سلاحًا.
وسيبقى هذا الجحيم شاهدًا، لا يسقط بالتقادم، ولا تمحوه الدعاية، ولا يغفره التاريخ.
فالشعوب قد تصمت،
لكن الذاكرة لا تموت،
والجرائم الكبرى… لا تُنسى.