تمرّ اليمن اليوم بلحظة وطنية فارقة ومفصلية، تشكّلت ملامحها بتوفيق من الله تعالى، ثم بجهود محورية قادتها المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، في مواجهة التمرد والانقلاب، وبطلب وإدارة فاعلة من مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد محمد العليمي.
وقد أفضت هذه الجهود إلى خلق حالة وطنية مشجعة ومؤاتية تصب في صالح الحكومة الشرعية، وتمثّل فرصة تاريخية يمكن – إذا ما أُحسن توظيفها – أن تقود إلى توحيد القرار الوطني سياسيًا وعسكريًا، ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية كافة تحت قيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية.
إن استثمار هذه اللحظة التاريخية يقتضي حصر حق امتلاك واستخدام السلاح بيد الدولة وحدها، وفقًا لمقتضيات الدستور والقانون، بما يضمن حفظ أمن اليمن واستقراره، وصون وحدته وسلامة أراضيه، واستعادة النظام الجمهوري، ومواجهة مليشيات الإمامة، وصولًا إلى استعادة العاصمة التاريخية للبلاد.
كما تفرض المرحلة الراهنة إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وتمكينها من أداء واجباتها الوطنية بعيدًا عن المشاريع الصغيرة والأجندات الضيقة، والعمل الجاد على استعادة موارد الدولة التي جرى العبث بها، وتحويلها إلى كانتونات سطو واستغلال، مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه الانقلاب، وبنت عليه طفيليات الحرب مصالحها غير المشروعة.
وأمام ذلك، تتحمّل القيادة مسؤولية تاريخية لتصحيح الاختلالات التي رافقت المراحل السابقة، وأسهمت في تعطيل مشروع استعادة الدولة، والانطلاق بقرارات حاسمة تعيد الاعتبار للمسار الوطني الجامع، وتضع اليمن على طريق الخلاص واستعادة دولته وسيادته.
من خلال بناء مرتكزات الرؤية الوطنية لاستعادة الدولة اليمنية
على أسس وطنية واضحة وصلبة، يمكن التعويل عليها في معالجة الأزمة اليمنية، وتمثّل في جوهرها منع أي انفجار قادم، أو إعادة إنتاج أسباب الصراع بدلًا من معالجتها. ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من الأصول الحاكمة التي لا غنى عنها لأي مشروع وطني جاد لاستعادة الدولة وإنهاء حالة الانقسام والاحتراب، وفي مقدمتها:
توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية في كيان وطني واحد، يخضع لقيادة سياسية شرعية موحّدة، ويعمل وفق عقيدة وطنية جامعة، بما ينهي حالة التشظي المسلح ويعيد احتكار الدولة لاستخدام القوة وفق الدستور والقانون.
المعالجة الجادة والعادلة للقضايا الوطنية، وفي طليعتها قضية المحافظات الشرقية والجنوبية وقضية تهامة، عبر مقاربات واضحة وشفافة، بعيدة عن الإنكار أو التسويف أو الحلول الالتفافية، وبما يحقق العدالة السياسية والتنموية ويعزّز الاستقرار الوطني.
العودة النهائية لرئيس الجمهورية والحكومة والقيادات التنفيذية العليا إلى الداخل، باعتبار ذلك تجسيدًا فعليًا للسيادة الوطنية، ونقلًا حقيقيًا لمركز القرار السياسي والإداري إلى أرض الوطن والانتقال من واقع الكيانات المناطقية أو المؤدلجة الضيقة إلى فضاء الجبهة الوطنية الجامعة، على أساس أن عدن، وتعز، ومأرب، والمخا، وحضرموت، ساحات وطنية لكل اليمنيين، ولا تُدار إلا بمنطق الدولة اليمنية الواحدة والمصلحة الوطنية العليا.
تفكيك بنية الفساد السياسي المرتبط بثقافة الارتزاق وشراء الولاءات، ووقف توظيف الموارد العامة والدعم الخارجي في تكريس الانقسامات وإضعاف مفهوم الدولة والمواطنة، وبناء نموذج حكم فعّال في المناطق المحرّرة، يقوم على تحسين الخدمات العامة، وتعزيز سيادة القانون، والالتزام بصرف رواتب موظفي الدولة في جميع المحافظات دون تمييز، بما يعيد ثقة المواطنين بالشرعية ومؤسساتها، واعتماد معيار الكفاءة والنزاهة في تولي المسؤوليات العامة، بدلًا من منطق المحاصصة السياسية والمناطقية، الذي أسهم في إفراغ مؤسسات الدولة من مضمونها وأضعف قدرتها على الأداء.
توحيد الأولويات الوطنية باتجاه استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب، بعد استكمال تهيئة الصف الجمهوري سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، وبما يمنع توظيف الصراع لصالح أجندات فرعية أو صراعات جانبية، وتمكين القرار الوطني السيادي من خلال تنظيم العلاقة مع الشركاء الإقليميين والدوليين على أساس المصالح المتبادلة، وإقامة شراكة استراتيجية مع الأشقاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية، بوصفها العمق الاستراتيجي الأهم لليمن.
بلورة عقد وطني جامع يؤسس لدولة القانون والمؤسسات، وينهي منطق القوة والسلاح في إدارة الخلافات السياسية، ويكرّس مبادئ المواطنة المتساوية، والتعددية، والتداول السلمي للسلطة
هذه المرتكزات تمثّل الإطار البنيوي لأي مشروع وطني قابل للحياة والاستمرار، وأي مقاربة تتجاوزها أو تلتف عليها ستظل عاجزة عن إنتاج دولة مستقرة، أو تحقيق سلام مستدام في اليمن