يواجه النظام الإيراني وضعًا عسيرًا وثورة شعبية هي الأقوى من كل الانتفاضات السابقة، وسيزيد من ضراوتها القمع الشديد الذي يستخدمه النظام تجاه المتظاهرين.
النظام الإيراني منذ جاءت به الثورة على الشاه سنة 1979 لم يتعامل مع محيطه بود وإخاء، وإنما وضع كل أشقائه تقريبًا في مرمى الاستهداف، واعتبر الدول العربية المجاورة ساحة توسع لمشروعه، أو مجرد سوق لتصدير بضاعته عبر مسمى "تصدير الثورة"؛ للنيل من الدول العربية تباعًا، معتقدًا بغرور أنه سيأتي عليها واحدة واحدة، عبر أذرع له ينشئها في المنطقة العربية كما في لبنان، أو تخادم مع قوى استعمارية كما في العراق.. وبلغ به الغرور ذروته عندما تضافرت عوامل متعددة لإسقاط العاصمة صنعاء سنة 2014م، يوم أن صرح النظام الإيراني متبجحًا ومعلنًا وقوع العاصمة العربية الرابعة بيده كما زعم.
لم يكن النظام الإيراني منذ أن بدأ الملالي بتبني تصدير الثورة يصدّرون الثورة، وإنما كانوا في حقيقة الأمر يخطون الخطوات الأولى لتعرية نظامهم، وتجريده من محيطه الذي لو أنه أقام علاقة ودية معه لما آل أمره إلى ما صار إليه اليوم، ولَكان من مصادر قوته بلا ريب.
وهم القوة، ووهم الانتصار يورث الغرور، ويُعمي حال الواقع الكذوب صاحبه عن أن يرى نهاية الطريق، حيث يقوده الغرور، ووهم القوة إلى الهرولة، أو إلى المغامرة لممارسة أعمال انتحارية غير مدروسة، وإذا بنقاط الفوز التي يحتسبها لنفسه خارج أرضه تقوده إلى نشوة السكرة والافتخار، وهي نشوة يتعامى في غيبوبتها عن قراءة ما يعتمل في الواقع من احتقان في البلاد المستهدفة، وما يتخلق في رحم بلد المغرور نفسه من عوامل انتفاضة، بل بوادر ثورة قادمة.
يصحو المغرور متأخرًا، وبفعل عمل رادع يأتيه من حيث لا يحتسب، وإذا بنقاط الفوز التي كان يحتسبها لنفسه من نتائج مغامراته في بلاد الآخرين، قد راحت تتساقط الواحدة تِلْوَ الأخرى بأسرع مما كان يتوقع، وأسرع من زمن تساقط أوراق الخريف حين يحل الخريف.
صبر الشعوب ينفد، وإن طال بعض الشيء، وكذلك موقف وصبر المحيط يصل منتهاه بعد تغاضيه، وتصبره، وصبره عما يراه من عنت، وما يشاهده من تعسف وعدوان، فيصبح هذا الغرور، والعنت، والعدوان عوامل ثورة في الداخل، ورفضًا من قبل المحيط، وإذا بنتائج الغرور والعنت يكون عاملًا من جملة عوامل في فقدان كل ما ظن أنه قد أتى عليه، وخسارة كل ما كان يداعب غروره في سكرة أحلام اليقظة!
ومن يدري، فربما كانت النتيجة هي السقوط الكلي، وذلك هو الخسران المبين.