بات نظام ولاية الفقيه في إيران يقف اليوم على حافة منعطف تاريخي بالغ الخطورة، بعد أن استكملت عوامل التآكل الداخلي والخارجي شروطها. فقد ارتهن هذا النظام لنظرية دينية كهنوتية أسهمت في إفقار المجتمع الإيراني، وأفرزت اختناقات اقتصادية حادة، بالتوازي مع تصدير الأزمات إلى الخارج، والتدخل العنيف في الشؤون العربية والإسلامية، ما خلّف حالة واسعة من عدم الاستقرار الإقليمي.
ويُعدّ تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة نتاجًا مباشرًا للتحولات الجيوسياسية التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حين أتاح انهيار الدولة العراقية وتفكك مؤسساتها فراغًا استراتيجيًا استثمرته طهران بفعالية. وقد تزامن ذلك مع تقاطع مصالح دولية وإقليمية أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إضعاف المنظومات العربية التقليدية، وفتح المجال أمام صعود أدوار إقليمية بديلة.
في هذا السياق، انتهجت إيران استراتيجية قائمة على إدارة الصراعات بالوكالة، عبر شبكة واسعة من الفاعلين غير الدولتيين، وعلى رأسهم الميليشيات المسلحة العابرة للحدود. وقد عزز هذا النهج قناعة راسخة داخل النخبة الحاكمة بقدرتها على فرض هيمنة إقليمية مستدامة، مستندة إلى أدوات أمنية وعقائدية، لا إلى شراكات اقتصادية أو قبول سياسي إقليمي.
في المقابل، تصدّت المملكة العربية السعودية، بوعي استراتيجي وحزم محسوب، للدور الإيراني التخريبي في المنطقة العربية، عبر سياسات مدروسة ومواجهات عالية الاحتراف، أسهمت في كبح التغلغل الإيراني وحماية الأمن القومي العربي.
ويجسّد هذا الدور ما عبّر عنه المفكر السياسي والإعلامي اليمني الأستاذ علي الجرادي
بقوله:
(تشهد المنطقة العربية انحسارا لمشاريع الطائفية المسلحة المرتبطة بإيران، بعد استنزاف الموارد في تمويل الأذرع الخارجية ما افضى إلى تعميق أزماتها الداخلية، فيما دفعت المجتمعات العربية أثمانًا جسيمة من العنف والتهجير. وبالتوازي، يبرز انحسار تدريجي لمشاريع التفتيت وإعادة هندسة المنطقة التي يرعاها الكيان الصهيوني والدول الوظيفية المرتبطة به، عبر توظيف هويات فرعية وتمردات مسلحة لضرب تماسك الدول العربية ومحاولة تطويق الدول ذات الثقل السياسي والجغرافي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر. وسيُسجّل التاريخ أن المملكة العربية السعودية، بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان كانت حائط الصد في حماية الدولة الوطنية العربية والتصدي لمشاريع الطائفية والتفكيك)
اليوم، تواجه إيران إنهاكًا داخليًا متراكمًا يتجلى في أزمات اقتصادية خانقة، وتوترات اجتماعية متصاعدة، واستقطاب نفسي وسياسي حاد داخل المجتمع. وما تشهده البلاد يتجاوز حدود الأزمة السياسية الظرفية، ليعكس تصدعًا بنيويًا في علاقة الدولة بالمجتمع، وفي شرعية النظام ذاته.
وتبرز خطورة الوضع بالنظر إلى الطبيعة التعددية للمجتمع الإيراني، الذي يضم أعراقًا وثقافات ومذاهب متعددة. غير أن مقاربة الدولة للهوية الوطنية اتسمت تاريخيًا بالاختزال، عبر التركيز على القومية الفارسية والإطار المذهبي الرسمي، ما حوّل التعدد من عنصر إثراء إلى مصدر هشاشة، عندما أُدير بمنطق الإقصاء والتهميش.
ويكمن الخطر الاستراتيجي الأبرز في أن أي انهيار محتمل للنظام اذ لم يقود إلى انتقال منظم للسلطة، فقد يؤدي إلى فراغ سياسي وأمني في دولة ذات بنية مجتمعية غير متجانسة، بما يفتح الباب أمام صراعات داخلية ذات أبعاد عرقية ومذهبية وجهوية، قد تكون ممتدة وعنيفة، وتتجاوز في تداعياتها حدود إيران إلى الإقليم بأسره، نظرًا لتشابك النفوذ الإيراني مع ملفات أمنية حساسة في عدد من دول المنطقة.
ويشكّل النظام الإيراني قيمة وظيفية في الاستراتيجية الأميركية الإقليمية، إذ يبرّر التوازنات الأمنية والانتشار العسكري ويمنح عددًا من الأنظمة العربية والإسلامية هامش بقاء قائمًا على دورها في احتواء طهران. وعليه، فإن سقوط إيران لا يعني استقرارًا، وقد يفتح المجال لإعادة هندسة الإقليم عبر تدخل مباشر أو صراعات بينية مضبوطة. في هذا السياق، لا يمثّل الاقتصاد ضمانة سياسية، بعدما أعدّت الولايات المتحدة بدائلها الاستراتيجية لتقليص أي ضغط محتمل. وضمن هذا الإدراك، تتجه دول محورية كالسعودية وتركيا ومصر إلى بناء قيمة ذاتية تحسّبًا لمرحلة ما بعد الخصم الإيراني، حيث تُدار العلاقات الدولية بمنطق الوظيفة لا الشراكة
وتتعامل المملكة العربية السعودية، بوصفها الكتلة السنية الأبرز في العالمين العربي والإسلامي، بمسؤولية عالية والتزام أخلاقي تجاه التطورات داخل إيران. فرغم سجل النظام الإيراني الطويل في التدخلات وزعزعة الاستقرار، وما شكّله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي السعودي، فإن الرياض تُبدي حرصًا واضحًا على استقرار المنطقة، وصون مصالح الشعب الإيراني، والحفاظ على أمنه ووحدته، مع رفض قاطع لأي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية.
مع صعود المملكة العربية السعودية كقوة إقليمية، أُعيد تعريف أمنها القومي من منظور خليجي إلى مقاربة إقليمية أوسع، بفعل التهديدات العابرة للحدود، خاصة الإيرانية والإسرائيلية. وتوفر التحولات في اليمن وسوريا مجالًا لتعزيز النفوذ السعودي ضمن إطار الجزيرة العربية، تمهيدًا لامتداده لاحقًا إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ما يجعل قيادة السعودية للأمن الإقليمي مرشحة لتجاوز مجلس التعاون والجزيرة العربية
وفي الوقت ذاته، تتطلع المملكة إلى مستقبل إقليمي قائم على احترام سيادة الدول، وإنهاء سياسات تصدير الأزمات، ووقف محاولات تطييف المجتمعات العربية، بما يمهّد لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية والتعايش في المنطقة.