في زمن الحروب، لا تكون المعركة في الميدان فقط، بل تمتد إلى الرواية والصورة والكلمة، فالصحافة هي العين التي ترى، والصوت الذي ينقل، والذاكرة التي توثق، وحين تستهدف الصحافة، فإن الحقيقة نفسها تصبح الهدف الأول..
ما جرى لمؤسسة «أخبار اليوم» في عدن عام 2018 لم يكن حادثا عابرا، ولا خطا أمنيا، بل كان رسالة واضحة مفادها: لا صوت يعلو فوق الرواية المفروضة، إحراق المؤسسة وتهجير موظفيها بالقوة جاءا نتيجة لدورها في نقل ما كان يحدث على الأرض، وكشفها لملفات الاغتيالات والانتهاكات التي شهدتها المدينة في تلك الفترة..
كانت «أخبار اليوم» تنقل صورة لا يريد البعض أن ترى، وتكتب رواية لا يريد لها أن تكتب، ولهذا كان استهدافها جزءا من محاولة أكبر للسيطرة على الإعلام، واحتكار السرد، ومنع أي صوت مستقل من أن يقول: هذا ما يحدث في عدن..
لم يكن الهدف إسكات صحيفة فقط، بل إسكات شهود، أرادت القوى المسيطرة على الأرض، ومن يقف خلفها، أن تكتب القصة وحدها، بالطريقة التي تخدم مصالحها، دون شهود أو مساءلة، فإحراق مؤسسة إعلامية هو في جوهره إحراق للحقيقة، وتهجير الصحفيين هو تهجير للضمير العام..
الأخطر في هذه القضية أنها حملت بعدا إقصائيا مبكرا، إذ استهدفت مؤسسة يملكها صحفي من المحافظات الشمالية، في وقت كانت فيه عدن تشهد تصاعدا لخطاب مناطقي، يرفض الآخر، ويقصي أي صوت لا ينتمي إلى هوية سياسية بعينها، وهنا لم تعد القضية قضية صحافة فقط، بل قضية وحدة مجتمع وحق متساو في التعبير..
إن الصمت عن ما جرى لـ«أخبار اليوم» شجع على تكرار الانتهاكات بحق الصحفيين، ورسخ مناخ الخوف، وأغلق مساحات واسعة أمام الإعلام الحر، فحين تغلق الصحف بالقوة، وتحرق المؤسسات، ويطارد الصحفيون، لا يكون المستفيد سوى الفوضى، ولا يكون الخاسر سوى الحقيقة..
ما حدث في عدن يحتاج إلى مساءلة، لا إلى نسيان، يحتاج إلى فتح تحقيق شفاف، لا إلى طي الصفحة، فالعدالة للصحافة ليست مطلبا خاصا بالصحفيين، بل حق لكل مواطن يريد أن يعرف ماذا يجري، ولماذا جرى، ومن المسؤول..
لأن الحقيقة، مهما أحرقت، لا تموت… لكنها تنتظر من يدافع عنها..