يبدو أن التجمعات الاحتجاجية في ساحة العروض بعدن ستتحول إلى تظاهرة تقليدية أسبوعية، وسط ترحيب من جميع المتحكمين بمقاليد الأمور الأمنية والسياسية والاستراتيجية في المدينة، من سلطة محافظة عدن وانتهاء بالسعودية.
التجمع الاحتجاجي الأول نُفذ تحت السطوة العسكرية والأمنية للمشروع الانفصالي، وبدا ثأرياً في خطابه وفي سلوك المحتجين، لكن التجمع الذي تلاه، تم تحت أنظار السلطة الأمنية الانتقالية. أي أننا أمام انتقال ذي طابع معنوي، يأخذ شكل التكيف الاضطراري مع الواقع الجديد. وهو تكيف لن يكن سلساً أو سهلاً، بل سيرتبط عضوياً بطبيعة التحولات الأمنية وبالجدية في مسالة إعادة انتشار القوات وتوزيعها وإخراجها من عدن وبقية المدن.
تصريحات وزير الدولة محافظ عدن بشأن احترام حرية التعبير للمحتجين في ساحة العروض، لا تنفصل على التنسيق الكامل مع السعودية التي سخرت وسائل إعلامها للتعاطي الودي مع التجمعات الاحتجاجية، في ظل توجه ملحوظ لاستئناسها، والحد من الاستغلال السيء لها من جانب الإمارات، خصوصاً عبر الرسائل السيئة الذي كان بعض المتعصبين يوجهها بقسوة إلى السعودية وقيادتها.
غير أن ثمة مخاوف من أن تذهب الأمور إلى ما هو أبعد من مجرد استئناس الاحتجاجات، إلى التفكير مثلاً في استغلالها لترجيح الخيار الانفصالي في المشاورات الجنوبية-الجنوبية أو الجنوبية-الشرقية المقبلة، أو استخدامها كمبرر لفرض صياغة أكثر راديكالية فيما يتعلق بشكل الدولة اليمنية من تلك التي اعتمدها مؤتمر الحوار الوطني، وهو ما قد يشكل مبرراً أخلاقياً يجعل الجميع يصفق أو يصمت أمام ما يريد الإقليم تمريره عبر المحتجين الوظيفيين.
لا أحد يزايد على اليمنيين بالاحتجاجات، فقد كانت أعظم احتجاجاتهم تلك التي خرجت طيلة العام 2011 وشطر من العام 2012، على نظام كان يتمتع بسطوة أمنية باطشة، وقدرة على القتل والفتك، ودفعت أثمان باهظة جراء المطالبة بالتغيير تحت مظلة الجمهورية اليمنية وليس على حسابها، إذ أن الشعب كان يريد فقط أن يتغير الشخص الذي يحكم الجمهورية وتتحسن آليات الحكم وتترسخ الإرادة الشعبية في التفويض وسحب التفويض.
عدا ذلك فإن جماعة الحوثي، تحشد أضعاف الذين يتجمعون في ساحة العروض بعدن، ووسائلها إلى ذلك البصمة والتهديد بفقدان الوظيفة، والسطوة الأمنية والإغراءات المادية، والضوضاء الإعلامية والادعاءات الكاذبة.