;
علي محمود يامن
علي محمود يامن

مؤتمر الحوار الوطني الأرضية الوطنية لبناء اليمن الاتحادي 267

2026-01-25 02:13:31

يقف اليمن اليوم أمام معضلة وجودية تتمثّل في الصراع بين منطق الدولة القائم على التوافق وإرادة الحياة، ومنطق القوة الذي يسعى إلى إدارة المجتمع بالعنف والغلبة. فبين شعبٍ أنهكته الحرب ولا يزال يتطلع إلى السلام، وقوة انقلابية ترى في السلاح بديلًا عن السياسة، يتبلور جوهر الأزمة اليمنية.

يمثّل انقلاب جماعة الحوثي قطيعة أخلاقية وسياسية معًا، إذ لم يقتصر على تقويض الشرعية الدستورية، بل استهدف تفكيك فكرة التوافق بوصفها أساس العمل السياسي. ومن خلال الانقلاب على مخرجات الحوار الوطني، جرى تعطيل مشروع الدولة وضرب أسس التعايش، بما أعاد تعريف السلطة باعتبارها غنيمة لا مسؤولية عامة.

وقد شكّلت المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني إطارًا انتقاليًا عقلانيًا لتجنيب اليمن الانزلاق إلى الحرب، مؤسِّسة لشرعية تستمد قوتها من الإرادة العامة لا من العنف. غير أن رفض القوى الانقلابية لهذه المرجعيات حوّلها إلى اختبار مستمر لإمكان السلام، وجعل من قرارات مجلس الأمن، ولا سيما 2140 و2216، تعبيرًا عن إجماع دولي يجرّم تعطيل العملية السياسية وتقويض التوافق الوطني.

وتُعدّ المرجعيات الثلاث، وفي مقدمتها مخرجات الحوار الوطني، الأساس الممكن لعقد اجتماعي جديد في اليمن، وضامنًا لمرحلة ما بعد النزاع، بما يمنع إعادة إنتاج العنف في صيغ أخرى. فهي لا تمثل وثائق مرحلية، بل إطارًا بنيويًا لإعادة بناء الدولة على أسس المشاركة والمواطنة.

وفي هذا السياق، يتجاوز دور التحالف العربي البعد العسكري إلى حماية فكرة الدولة في مواجهة مشاريع الهيمنة الإقليمية، حيث إن انهيار الدولة اليمنية يترتب عليه تداعيات تتجاوز حدودها الوطنية. ورغم تعقيد المشهد، يظل الأمل قائمًا بوصفه فعلًا سياسيًا مقاومًا، يتمثل في استعادة السياسة من قبضة السلاح، وبناء دولة تُدار بالعدل والمؤسسية، لا بالإكراه والعنف

وقد شكّل مؤتمر الحوار الوطني الشامل في اليمن، الذي انعقد بين مارس 2013 ويناير 2014، محطة سياسية مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، إذ جاء في أعقاب الاحتجاجات الشعبية لثورة الربيع العربي في 2011 واهم مخرجات المرحلة الانتقالية الهادفة إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي وبناء أسس دولة يمنية حديثة أكثر عدالة وشمولاً. ورغم ما حملته مخرجاته من رؤية طموحة، فإن تعثر تنفيذها ألقى بظلاله الثقيلة على مسار الاستقرار في البلاد.

وتمثّل المخرج الأبرز للمؤتمر في وثيقة الحوار الوطني الشامل، التي أرست مبادئ عامة لإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان. وقد عكست الوثيقة توافقاً وطنياً نادراً على ضرورة الانتقال من الدولة المركزية إلى النظام الاتحادي، بوصفه حلاً جذرياً لاختلالات تاريخية في توزيع السلطة والثروة، ووسيلة لاحتواء التباينات الجغرافية والسياسية.

فالفيدرالية ليست مجرد تقسيم إداري، بل عقلية سياسية. هي فن التوازن بين سيادة الدولة وحق الإقليم، وبين الهوية الوطنية والخصوصية المحلية. تحتاج إلى عقل تركيبي قادر على الجمع بين المتناقضات، بعكس العقل البسيط الذي يميل إلى الانفصال بين الأبيض والأسود، المركزية والانفصال

التجارب الفيدرالية الناجحة عالميًا نشأت غالبًا في حالتين: وحدات ناضجة تفاوضت على الاتحاد (مثل أمريكا وسويسرا)، أو دولة مركزية قوية انتقلت تدريجيًا إلى اللامركزية المنظمة (مثل ألمانيا بعد الحرب). الفيدرالية إذاً ليست مجرد قرار، بل تراكم طويل من الخبرة السياسية والاجتماعية.

كما تطرقت مخرجات الحوار إلى قضايا شائكة ظلّت لسنوات من دون حلول جذرية، أبرزها قضية المحافظات الشرقية والجنوبية، وإعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية، والعدالة الانتقالية، إضافة إلى تعزيز مشاركة المرأة والشباب في الحياة العامة، بما يعكس روح التغيير التي رافقت المرحلة ا

ولم تكن القضية الجنوبية مجرد ملف ثانوي، بل شكّلت جوهر التحول الذي سعى مؤتمر الحوار الوطني الشامل 2013–2014 إلى تحقيقه، حيث عمل على صياغة حلول سياسية عادلة وخارطة طريق استراتيجية لإرساء دولة اتحادية جديدة. غير أن اندلاع الحرب أعاق تنفيذ هذه المخرجات، وحوّل القضية بحلول 2026 إلى معادلة جيوسياسية إقليمية.

خلال نحو عشرة أشهر من النقاش، ناقش المؤتمر تسع قضايا وطنية كبرى، تصدرتها القضية الجنوبية وبناء الدولة والحكم الرشيد وبناء الجيش والأمن.

shape3

حدّد تقرير الفريق جذور القضية الجنوبية بعد حرب صيف 1994، مشيرًا إلى الإقصاء السياسي والحقوقي والاقتصادي للجنوب، بما في ذلك تهميش المؤسسات العامة، ونهب الموارد، وتدهور الخدمات، وتغييب التاريخ والثقافة الجنوبية.

أما الحلول السياسية فشملت تأسيس دولة اتحادية ديمقراطية، مع مستويات حكم مستقلة (مركز، إقليم، ولاية)، ومناصفة في التمثيل بين الشمال والجنوب في الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية والجيش والأمن، وإدارة الموارد الطبيعية بالتشارك بين الولايات المنتجة والسلطة الاتحادية. وتم تحديد ستة أقاليم (أربعة شمالية واثنان جنوبية) وفق توافق وطني.

وتميّز المؤتمر بمشاركة طيف واسع من القوى السياسية والاجتماعية، شملت الأحزاب التقليدية، والحركات الشبابية، وممثلين عن المرأة والمجتمع المدني، الأمر الذي منح مخرجاته شرعية سياسية ومعنوية. غير أن هذا التنوع نفسه كشف عن عمق الخلافات البنيوية داخل المجتمع اليمني، خصوصاً في ما يتعلق بتفاصيل الدولة الاتحادية، وعدد أقاليمها وحدودها، وآليات تقاسم السلطة.

ورغم الإشادة المحلية والدولية بمخرجات المؤتمر، فإن غياب آليات تنفيذ فعّالة وضعف الإرادة السياسية حينها حالا دون ترجمة تلك المخرجات على أرض الواقع. ومع تصاعد التوترات السياسية والأمنية في عام 2014، دخل اليمن مرحلة جديدة من الصراع، أدت إلى انهيار المسار الانتقالي قبل استكمال استحقاقاته الدستورية.

وبذلك، تحوّل مؤتمر الحوار الوطني من فرصة لبناء توافق مستدام إلى مشروع مؤجَّل، ظل حاضراً في الخطاب السياسي كمرجعية نظرية، لكنه غائب في الممارسة العملية.

ويمكن النظر إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل باعتباره إنجازاً فكرياً وسياسياً وضع تصوراً متقدماً لشكل الدولة اليمنية، لكنه في الوقت ذاته كشف عن حدود الحلول السياسية غير المدعومة بتوازنات قوة وآليات تنفيذ واضحة. وبينما لا تزال مخرجاته تشكّل مرجعاً مهماً لأي تسوية مستقبلية، فإن التجربة تؤكد أن النجاح لا يكمن في صياغة الرؤى وحدها، بل في القدرة على حمايتها وتطبيقها في واقع سياسي وأمني شديد التعقيد

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد