أحسنتَ، دكتور عبدالخالق عبدالله، في مقالك الأخير «الإمارات والسعودية: لا تابع ولا متبوع»، حين أكّدت بوضوح أن دولة الإمارات انحرفت عن الأهداف المعلنة لتدخلها، وذهبت عمليًا إلى مشروع تقسيم اليمن.
هذه الرؤية تُؤصِّل لحقيقة باتت واضحة: أن الإمارات تنظر إلى اليمن من منظور عدائي استراتيجي، لا كشريك أو جار، بل كساحة نفوذ ومجال تفكيك.
الشواهد على هذا العداء كثيرة، لكن أن تصدر هذه الخلاصة عبر اعترافات وتحليلات صريحة من داخل النخب الخليجية، فذلك تطور مهم، لأنه ينزع الغطاء عن خطاب التضليل الذي طالما سوّق لدور الإمارات بوصفه “دعمًا للاستقرار”.
أما نظرية «التابع والمتبوع»، فهي لا تعكس واقع الجغرافيا أو السياسة، بقدر ما تكشف عقدة نقص عميقة تعانيها نخب الحكم في أبوظبي تجاه المملكة العربية السعودية.
فواقع الجغرافيا، وأبجديات السياسة، وقواعد النفوذ الصلبة، كلها تؤكد أن السعودية – جغرافيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا، وسياسيًا – هي القوة المركزية في الإقليم، سواء قُبل ذلك أم رُفض.
ما ينبغي التعاطي معه عقلانيًا هو بناء تفاهمات استراتيجية مع السعودية، تفاهمات تعزز مصالح الدول المتشاركة في الجغرافيا، والدين، والعروبة، والنسب الاجتماعي المتداخل بين المجتمعات.
فدولة بحجم السعودية لا يمكن تصور أنها تسعى لفتح صراعات عبثية، من شأنها أن تصنع لها صداعًا مزمنًا، أو تنقل شرارات الفوضى إلى داخل جغرافيتها.
من هذا المنطلق، فإن سياسة الإمارات تجاه المملكة لم تكن بريئة أو تنافسية مشروعة، بل حملت في جوهرها قدرًا من اللؤم السياسي، والسمّ الاستراتيجي، والتهديد غير المباشر لأمن المملكة.
وهذه ليست سلوكيات دول واثقة، بل أعراض عقد نقص لا يحملها إلا من يشعر بعدم التكافؤ.
كان بالإمكان – بل من السهل – أن تكون السعودية بثقلها، واليمن بموقعه، عاملَي تعزيز للحضور الإماراتي في المنطقة، لو أن أبوظبي انتهجت مبدأ الشراكة وبناء المصالح المشتركة بدل سياسات الهدم والتفكيك.
فقوة السعودية، ضمن علاقة سليمة ومتوازنة، تمثل قوة لليمن، وللإمارات، ولعموم الإقليم.
ومهما اختلفنا مع سياسات الرياض في الملف اليمني، يظل إدراكنا ثابتًا بأن أمن المملكة واستقرارها وبقاءها قوية هو مصلحة يمنية خالصة، لا تقبل المزايدة.
ومن هنا، فإن ما نعمل من أجله هو الخروج برؤية أكثر واقعية، لتصحيح ما خربته الإمارات، وإعادة ترتيب البيت اليمني على أسس واضحة، في مقدمتها:
•وحدة اليمن،
•إنهاء جميع الانقلابات،
•تفكيك المليشيات،
وما بعد ذلك تفاصيل سياسية يمكن لليمنيين أن يتوافقوا عليها برعاية سعودية، وهو ما نأمله ونسعى إليه.
غير أن ما يصعب محوه من ذاكرة شعوب المنطقة هو الجرح العميق الذي تسببت به الإمارات، حين أوغلت في تعميق الفوضى والدم في اليمن والسودان وليبيا.
وأولى خطوات معالجة هذه الجروح أن تكفّ الإمارات يدها عن دعم الفوضى، وعن إدارة مشاهد الانهيار التي ما زالت ترعاها في أكثر من ساحة عربية.
إن استمرار هذا النهج يجعل من خيار تحجيم الدور الإماراتي، وتحويلها من لاعب مخرّب إلى تابع للمنظومة الإقليمية هدفًا استراتيجيًا تفرضه مصالح شعوب المنطقة والدول العربية.
والخيار في النهاية بيد الإمارات نفسها:
فهل تنجح إمارات الاتحاد في كبح جنون حكّام أبوظبي؟