ليست الخطيئة في أن تخطئ الدولة في إدارة لحظة انتقالية، فذلك شأن الدول جميعًا في لحظات الاضطراب،
بل الخطيئة العظمى هي أن تنقلب الدولة على معاييرها:
أن تجعل من الجريمة معيارًا للشرعية،
ومن العدوان على الوطن طريقًا إلى السلطة،
ومن الفتنة رأس مالًا سياسيًا مشروعًا.
حين يُربط الوصول إلى المناصب العليا بقدرة الشخص على التحريض، وبحجم صوته في تمزيق الجماعة الوطنية، فإن الدولة لا تفقد هيبتها فحسب، بل تفقد تعريفها الأخلاقي.
وهنا لا نكون أمام دولة ضعيفة، بل أمام دولة فقدت معناها.
في الفلسفة السياسية، لا تقوم الدولة على القوة المجردة، بل على احتكار العنف المشروع ضمن عقد أخلاقي جامع.
لكن حين يصبح العنف غير المشروع مكافأ سياسيًا، فإن السلطة تتحول من نقيض للفوضى إلى صورتها المنظمة، ومن حارس للنظام إلى راعٍ له.
في هذا السياق المقلوب، تتحول المناصب من مسؤوليات عامة إلى تعويضات رمزية عن أذى مُنجز، ويُقاس وزن الموقع الرسمي بعمق الجرح الذي أُلحق بالوطن.
وهكذا ينشأ ما يمكن تسميته بـ اقتصاد الفتنة: سوق سياسية يتنافس فيها الفاعلون لا على خدمة الدولة، بل على تعطيلها، لا على حماية الجماعة، بل على تهديدها.
في ظل هذا المنطق، تختفي العدالة بوصفها قيمة مؤسسة، ويحل محلها تطبيع واسع مع الإجرام.
فلا يرى المجتمع محاكمة لانقلابي، ولا لقاتل، ولا لمنتهك، ولا لصاحب سجن سري، ولا لمغتصب أملاك، ولا لمهندس تهجير قسري، ولا لمن وفّر الغطاء الإعلامي والأخلاقي للجريمة.
بدل ذلك، يرى الجناة وقد أُعيد إدماجهم كفاعلين شرعيين، في ممارسة يمكن توصيفها فلسفيًا بأنها نسيان قسري للذاكرة الجمعية.
والأخطر من ذلك هو اختزال الجريمة في شخص واحد، مهما بلغ دوره.
فهذا الاختزال لا يبرّئ المنظومة، بل يحميها؛ لأنه يحوّل الجريمة من بنية سياسية إلى حادثة فردية، ومن سياسة متكاملة إلى خطأ شخصي.
والحقيقة أن الجريمة هنا شبكة:
تخطيط، وتمويل، وتوجيه، وتسليح، وخطاب، وتبرير، وصمت.
ولا تُهزم الشبكات بإزاحة وجوهها، بل بتفكيك منطقها.
ومن هنا، فإن الخاتمة لا يمكن أن تكون سياسية فقط، بل وجودية.
فالدولة التي تفاوض الجريمة لا تُدير أزمة، بل تؤجل انهيارها.
والسلطة التي تعيد تدوير العنف لا تصنع سلامًا، بل تؤسس لدورة عنف أعلى.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المملكة العربية السعودية لا بوصفها طرفًا سياسيًا، بل بوصفها فاعلًا في معادلة الأمن الوطني الإقليمي.
فالأمن، في جوهره الفلسفي، ليس ردع الخطر الآني، بل منع إعادة إنتاج شروطه.
ومن هذا المنطلق، فإن استكمال السعودية لمسار التصحيح الذي بدأته – بعد سنوات من العبث الذي مارسته السياسات الإماراتية في اليمن – ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية وأمنية لحماية المجال الإقليمي من عدوى الفوضى.
إن المواجهة مع أدوات الإمارات لا يجب أن تُبنى على الاحتواء أو المكافأة، بل على التفكيك.
فأي مكافأة غير مشروطة ليست حلًا، بل إعادة تمويل للجريمة بأدوات جديدة.
وفي فلسفة العدالة الانتقالية، لا يُمنح المجرم موقعًا، بل يُنتزع منه الاعتراف.
ولا يُعاد إنتاجه كفاعل سياسي، بل يُستخدم – إن أُريد منع تكرار المأساة – كمصدر لكشف الحقيقة.
وأقصى ما يمكن منحه، إن توفرت الإرادة الأخلاقية، هو ما يُحدد بحجم تعاونه في:
• تفكيك منظومة الجريمة،
• كشف شبكاتها وامتداداتها،
• الاعتراف الصريح بالفعل الجرمي،
• وتقديم اعتذار علني للوطن، وللضحايا، وللذاكرة الجمعية.
وعند هذا الحد فقط، يمكن الحديث عن تخفيف عقوبة أو تحويلها إلى عقوبة معنوية علنية، مرئية أمام المجتمع، تؤكد أن الجريمة لا تُكافأ، بل يُستفاد من تفكيكها لحماية المستقبل.
أما ما عدا ذلك—
أما تحويل الجناة إلى وزراء، أو شركاء قرار، أو أوصياء على الدولة—
فليس تسوية سياسية، بل كارثة فلسفية وأمنية مكتملة الأركان،
لأنه يلقّن المجتمع درسًا مدمرًا:
أن الجريمة طريق صعود،
وأن الدولة كيان قابل للابتزاز.
وحين تفقد الدولة مناعتها الأخلاقية، فإنها لا تحتاج إلى أعداء خارجيين،
لأن انتحارها يكون قد بدأ من الداخل.