لم تكن السنوات العشر الأخيرة في اليمن مجرد حرب، بل كانت مختبرا دمويا لاختبار أكثر النماذج قسوة في تفكيك الدول من الداخل، شعب يضحى به، دولةٌ تمحى، وسيادة تدفن تحت أكذوبة “التحرير”، بينما يدار المشهد من خلف الستار بعقل لا يرى في الإنسان إلا رقما، ولا في الدولة إلا عائقا..
في قلب هذا الخراب، يضع كثير من اليمنيين والعرب محمد بن زايد لا بوصفه حليفا أخطأ، بل مهندس فوضى يرى في تدمير المجتمعات الطريق الأقصر للهيمنة، فالرجل لا تحكمه رؤية تنموية أو مشروع نهضوي، بل نفسية مأزومة بعقدتين خطيرتين: عقدة الصغر وعقدة الاستعلاء!.
عقدة الصغر التي تجعل الدولة، مهما تضخم مالها وسلاحها، تشعر أنها محاطة بشعوب أكبر منها تاريخا وثقافة وإنسانا، وعقدة الاستعلاء التي تدفع صاحبها للاعتقاد بأنه “الواحة المتحضرة الوحيدة” وسط محيط من “الجهل والتخلف”، ومن هذا المزيج السام تولد قناعة مرعبة: هذه الشعوب لا تستحق أن تحكم نفسها، ويجب كسرها..
من دعم الدولة إلى صناعة المليشيا
في اليمن، لم يكن التدخل – وفق هذه القراءة – انحرافا عابرا، بل خطة منهجية:
بدل بناء جيش وطني، جرى تفريخ مليشيات وبدل تعزيز الشرعية، جرى إنهاكها حتى النزيف وبدل مواجهة الانقلاب، جرى إنتاج انقلابات صغرى داخل الدولة الواحدة..
إن تسليح أبوظبي لجماعات خارج إطار الدولة، وتمويل تشكيلات مسلحة، وإنشاء شبكات اغتيالات ليس – في وعي الضحايا – مجرد “اتهامات إعلامية”، بل وقائع عاشها اليمنيون في مدنهم وبيوتهم وعلى أجساد ضباطهم وأئمتهم وأكاديمييهم..
نيكاراغوا ليست بعيدة… والسابقة القانونية قائمة
حين مولت الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي مليشيات “الكونترا” لإغراق نيكاراغوا في الفوضى، اعتقدت أن القوة تحميها من المحاسبة، لكن محكمة العدل الدولية قالت كلمتها:
الدولة التي تبني مليشيات، وتسلحها، وتستخدمها لتخريب دولة أخرى، تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة..
وقد أصبحت تلك القضية – التي تتداول بشأنها أرقام تعويضات فلكية – سابقة تاريخية في إدانة “إرهاب الدولة” عندما يمارس عبر الوكلاء..
وهنا يطرح السؤال نفسه، بصوت يمني مبحوح بالغضب:
إذا كانت دولة عظمى أدينت لأنها سلحت متمردين،
فكم ستدفع أبوظبي لليمن وقد بنت مليشيات، وسلحت، ومولت، وقتلت جنود الدولة، وأدارات فرق اغتيالات في وضح النهار.؟
فوبيا الإسلام… حين يصبح الشعب عدوا
لا يمكن فهم هذا السلوك دون فهم الهوس المرضي بالإسلام السياسي، فمحمد بن زايد لا يفرق بين تيار سياسي، وحركة اجتماعية، وشعبٍ مسلم، الجميع يختزل في “إخوان”، والجميع مشروع تصفية، الديمقراطية خطر، الصندوق تهديد، والإرادة الشعبية جريمة..
ومن هنا، يصبح تدمير الدول العربية عملا وقائيا، وتفكيك المجتمعات ضرورة أمنية، وقتل الأمل سياسة دولة، وحين تصرخ الشعوب، لا يراجع الفعل، بل يخون الصوت، كل من يرفض هذا الخراب يتهم بأنه يستهدف الإمارات، وكل من يطالب بالسيادة فهو عميل وكل من يكشف الجرائم فهو حاقد..
الخلاصة:
قد تنجح القوة في صناعة الصمت، لكنها تفشل دائما في صناعة الشرعية، وقد تمحى الدول من الخرائط، لكن الجرائم لا تمحى من الذاكرة، واليمن، كما نيكاراغوا من قبل، لن ينسى من حول أرضه إلى ساحة تجارب، ولا من اعتقد أن المال والسلاح يمنحانه حق العبث بمصائر الشعوب.. والسؤال لم يعد: من المذنب؟
بل، متى يأتي يوم الحساب، وكم سيكون ثمن الدم.؟