في لحظات الأزمات الوجودية للدول، لا تُقاس الوطنية بالشعارات، بل بحجم الأعباء التي تتحملها كل منطقة، وبمدى العدالة في تقاسم المسؤولية والقرار. ومن هذا المنطلق، تبرز محافظة مأرب كنموذج بالغ الدلالة في التجربة اليمنية الراهنة.
أولاً: مأرب في معادلة الدولة.. دور يتجاوز الجغرافيا
منذ اندلاع الصراع، لم تكن مأرب مجرد محافظة ضمن إطار إداري، بل تحولت عملياً إلى رافعة اقتصادية وسيادية للدولة اليمنية. فهي تحتضن أهم منشآت إنتاج الغاز المنزلي، وتوفر النسبة الأكبر من الاحتياجات المحلية للطاقة، إضافة إلى مساهمتها الأساسية في الموارد السيادية التي تعتمد عليها الحكومة في الوفاء بالتزاماتها المالية والخدمية.
هذه المعطيات تجعل مأرب شريكاً فعلياً في تمويل الدولة واستمراريتها، وليس مجرد متلقٍ لسياساتها.
ثانياً: البعد الدستوري.. مبدأ الشراكة والإنصاف
من منظور دستوري وقانوني، تقوم الدولة الحديثة على مبادئ واضحة: (المواطنة المتساوية - العدالة في توزيع السلطة - التوازن بين المسؤوليات والحقوق).
وعندما تتحمل منطقة ما عبئاً استثنائياً في الدفاع عن الدولة، وتأمين مواردها، واستيعاب تداعيات الحرب، فإن إقصاء أبنائها عن مواقع القرار السيادي والتنفيذي يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام العملي بهذه المبادئ.
القضية هنا لا تتعلق بالمحاصصة، بل بـ"الإنصاف المؤسسي" الذي يُعد أحد مرتكزات الاستقرار السياسي طويل الأمد.
ثالثاً: فجوة التمثيل.. خلل في الحوكمة لا في الولاء
من الواضح أن تمثيل أبناء مأرب في المؤسسات السيادية، والمناصب العليا في الجهاز التنفيذي، ومراكز القرار الاقتصادي والمالي، لا يعكس الدور الحقيقي الذي تؤديه المحافظة على أرض الواقع.
هذا الخلل لا يمكن تفسيره كحالة فردية أو ظرفية، بل يظهر كـ"فجوة هيكلية في إدارة الشراكة الوطنية"، وهي فجوة إن تُركت دون معالجة، قد تُضعف الثقة بين المركز والأطراف الداعمة له.
رابعاً: الحكومة المزمع تشكيلها.. فرصة لإعادة التوازن
إن أي حكومة قادمة تمثل لحظة سياسية مفصلية، ليس فقط من حيث الكفاءة أو التوافقات، بل من حيث إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة الوطنية.
إدماج الكفاءات من أبناء مأرب في مواقع تتناسب مع مساهمة محافظتهم لا يُعد امتيازاً، ولا استجابة لضغط، بل تصحيح لمسار إداري وسياسي، يعزز وحدة الدولة، ويبعث برسالة طمأنة لكل من تحمل أعباء الدفاع عنها.
خامساً: الصمت المسؤول وحدود الاحتمال
تميزت مأرب خلال السنوات الماضية بـ"خطاب متزن وسلوك مسؤول"، فضلت فيه تغليب المصلحة العامة على المطالب الآنية، وهو موقف يُحسب لها وطنياً.
غير أن الصمت، في السياق السياسي والقانوني، لا يمكن اعتباره بديلاً دائماً عن العدالة. فاستدامة الاستقرار تتطلب معالجة الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات ثقة يصعب احتواؤها.
العدالة كضمانة للدولة
إن إنصاف مأرب لا يخدم مأرب وحدها، بل يخدم الدولة اليمنية ذاتها. فالدول القوية لا تقوم على استنزاف مناطقها الداعمة، بل على شراكة متوازنة تعترف بالجهد وتكافئ المسؤولية بالتمثيل والقرار.
وإذا كانت مأرب اليوم تؤدي دور “الأب” في العطاء، فإن مقتضيات العدالة تفرض ألا تبقى الأب المحروم.