بينما لا تزال صنعاء تحت الاحتلال، والبلد ينزف من كل الجهات، ويستيقظ اليمنيون كل يوم على خبر قتل أو جوع أو نزوح جديد، يخرج علينا بعض قادة الشرعية في مشاهد أعراس وبذخ، كأن الحرب انتهت، وكأن الوطن تحرر، وكأن الدم الذي سال لم يكن دم هذا الشعب.
السؤال الذي يُطرح دائمًا:
لماذا يحضر قادة الشرعية أعراس أولادهم في هذا التوقيت؟
والجواب أبسط وأقسى مما نتخيل: لأنهم لا يشعرون أنهم في معركة، ولا يرون أنفسهم مسؤولين عن وطن محتل، بل يتعاملون مع “الشرعية” كغنيمة، لا كأمانة وطنية.
نحن نخاطبهم – للأسف – وكأنهم رجال دولة، وكأنهم أصحاب قضية ونضال، بينما الحقيقة أنهم تسلّقوا إلى رأس الشرعية في لحظة فوضى، وورثوا السلطة دون مشروع، ودون رؤية، ودون إحساس بمعاناة الناس. لم يأتوا ليحرروا صنعاء، بل ليؤمنوا مستقبلهم، ويحصّنوا أولادهم، ويعيشوا حياتهم كاملة غير منقوصة.
صنعاء محتلة،
تعز محاصرة،
الحديدة تنزف،
مأرب تُستنزف،
واليمني البسيط يُقاتل وحده: بالجوع، بالمرض، بالخوف، وبانتظار راتب لا يأتي.
في المقابل، نرى مسؤولين يتبادلون التهاني، ويقيمون حفلات الزفاف، ويسافرون، وكأنهم أنجزوا المهمة وانتهى الواجب.
المأساة الحقيقية ليست فقط في سلوك هؤلاء، بل في قبولنا الشعبي المستمر بهذا العبث. نحن من قاتل وضحّى، نحن من نزف ودفع الثمن، نحن من خسر الأحبة والبيوت والأحلام، بينما هم حصدوا المكاسب، واحتكروا القرار، وتركوا الشعب في العراء.
والحوثي عدو واضح، نعم.
لكن الخيانة ليست فقط في الجبهات، بل في الترف فوق جراح الناس، وفي تحويل “الشرعية” من مشروع إنقاذ وطن إلى مشروع أعراس وسفريات وحسابات بنكية.
الشعب هو من قاتل.
الشعب هو من نزف.
الشعب هو من جاع.
أما هم، فحصدوا المناصب، والامتيازات، والحياة الرغيدة.
هي قسمة ضيزى بكل المقاييس، قسمة ظالمة، لكن الأخطر من ظلمها هو القبول بها. فلو لم يكن هذا القبول موجودًا، لما تجرأ أحد على إقامة عرسه فيما وطنه يدفن أبناءه.
وهنا نصل إلى الجرح الحقيقي:
جزء كبير من المجتمع لا يزال يحمل عقلية الاستسلام، عقلية تبرير الفشل، وتقديس الأشخاص، والدفاع عن من سرقوا تضحياته. هذه ليست قوة صبر، بل ضعف وعي. وليست حكمة، بل خوف من المواجهة.
العبد ليس فقط من يُقيد بالسلاسل،
العبد هو من يرى الظلم ويسكت،
ومن يُسرق وطنه ويبرر للسارق،
ومن يُهان ويقول: “ما باليد حيلة”.
ما دام هذا التفكير حاضرًا، ستستمر الأعراس في قصور الشرعية، وستستمر الجنازات في بيوت الفقراء. وما دام الصوت الغاضب يُهاجَم أكثر من الفاسد، فلن يتغير شيء.
اليمن لا يحتاج خطابات، ولا صور زفاف، ولا ابتسامات مصطنعة.
اليمن يحتاج قادة يشعرون بالعار قبل الفرح، وبالوجع قبل الترف، وبالمسؤولية قبل المناصب.
وإلى أن يحدث ذلك…
سيبقى الفرق شاسعًا بين من يعيشون الأعراس، ومن يدفعون ثمنها دمًا ووجعًا ووطنًا ضائعًا.