ما كتبه الصحفي السعودي راشد بن ضيف الله العنزي لم يكن انفعالا عابرا ولا شتيمة مجانية، بل كان — في جوهره — تشريحا قاسيا لظاهرة عربية متكررة: ظاهرة السياسي الذي يخلع وطنه عند أول بوابة، ويبدل مواقفه كما يبدل معاطفه، ثم يطالب الآخرين باحترامه..
حديث العنزي عن بعض المشاركين من المجلس الانتقالي في ما يسمى بالحوار، ووصفه لهم بالنفاق والارتزاق، لم يأت من فراغ، بل هو توصيف لسلوك قبل أن يكون هجوما على أشخاص، فحين ينتقل المرء من موقع السب والتخوين إلى موقع التزلف خلال لحظة سياسية واحدة، فإن السؤال لا يعود: لماذا تغير؟ بل يصبح: هل كان يملك موقفا أصلا؟
المرتزق — في السياسة كما في الحروب — لا يحمل قضية، بل يحمل سعرا، وهذا هو جوهر المأساة، هو لا يرى في الوطن قيمة معنوية عليا، بل ورقة تفاوض، ولا يرى في الموقف الأخلاقي التزاما، بل عبئا يمكن التخلص منه عند الحاجة، ولذلك، لا يتألم حين يهان، لأنه باع احترامه مسبقا..
وهنا الحقيقة التي لا يحب المرتزقة سماعها:
الذي يشتريك لا يحترمك، قد يفتح لك القاعات، وقد يبتسم أمام الكاميرات، وقد يضعك في الصفوف الأولى، لكن في العمق ينظر إليك باعتبارك أداة مؤقتة، لا شريكا ولا صاحب قضية، فالخائن لوطنه لا ينظر إليه كحليف، بل كأداة، لأن من خان مرة، سيفعلها مرة أخرى، هذه قاعدة بشرية قبل أن تكون سياسية..
لذلك حين قال العنزي إن “من باع قضيته سيبيع المملكة عند أول منعطف”، فالوطن ليس فندقا، ولا منحة، ولا محطة عبور، بل هو الذاكرة، والاسم، والكرامة، والظل الذي يمشي معك أينما ذهبت، ومن يفرط في وطنه، سيقضي بقية عمره يبحث عن احترام لن يجده، لأن العالم — مهما ادعى البراغماتية — يحتقر من لا يحترم جذوره..
والنقطة الجوهرية التي أكدها العنزي، وتستحق التوقف عندها، هي التفريق الواضح بين اليمن كدولة وشعب وتاريخ، وبين نماذج أساءت لليمن قبل أن تسيء لغيره، فاحترام الشعوب لا يعني السكوت عن العبث، ولا قبول أن يهان المكان باسم الحوار..