أثار حفل خطوبة وصف بغير المسبوق في اليمن موجة عارمة من الجدل، لا بسبب حدث اجتماعي بحد ذاته، بل لأنه عكس فجوة صادمة بين واقع يرزح تحت الفقر والحرمان، وصورة ثراء عرضت بلا مواربة على منصات التواصل، فقد انقسم الناس بين من رأى في الحفل حقا شخصيا لا يحق لأحد مصادرته، ومن اعتبره استفزازا لمجتمع جائع، ورسالة قاسية لمن لم يعد يملك حتى الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي..
لكن ما يستحق التوقف عنده فعلا ليس الحفل، بل طريقة توجيه الغضب الشعبي، فالمفارقة المؤلمة أن قطاعا واسعا من اليمنيين لا يوجه نقمته نحو من دمروا الاقتصاد، وصادروا الدولة، وحولوا البلاد إلى ساحة صراع مفتوح، بل يختار الطريق الأسهل: تجريم الفرد الذي استطاع — بأي وسيلة مشروعة — أن ينجو..
هنا نواجه ثقافة خطرة، لا تنتج عدالة ولا تخفف معاناة، بل تعيد تدوير القهر داخل المجتمع نفسه..
من هو المسؤول الحقيقي؟
اليمن لم يصبح فقيرا بالصدفة، ولم يحرم شبابه من فرص الحياة لأن أحدهم أقام حفلًا فخما، الفقر نتاج مباشر لسنوات من النهب المنظم، والحروب العبثية، والاقتصاد المعسكر، وتحالف اللصوص وأمراء الحرب وتجار السلاح، هؤلاء هم من صادروا الرواتب، ودمروا العملة، وشرعنوا الجبايات، وحولوا المواطن إلى رهينة!.
ومع ذلك، نرى الغضب الشعبي يتجه غالبا إلى الحلقة الأضعف: مغترب جمع ماله في الغربة، أو تاجر نجح خارج منظومة الفساد، أو شخص قرر أن يعيش لحظة فرح علني، كأن الفرح نفسه أصبح جريمة في بلد اعتاد الحداد!.
شيطنة الناجي: منطق معكوس
في المجتمعات المنهكة، يظهر ما يمكن تسميته بـشيطنة الناجي، فبدل مساءلة من تسبب في الحرمان الجماعي، يدان من أفلت منه، هذه الآلية النفسية مريحة؛ لأنها لا تتطلب مواجهة السلطة، ولا تحمّل كلفة الصدام مع المتنفذين، إنها غضب بلا مخاطرة، يمنح الجناة الحقيقيين هدية مجانية ويعفيهم من المساءلة، فالمشكلة ليست في الفرح، بل في العجز عن الغضب الصحيح..
المجتمع الذي يجرم الفرح الفردي، لكنه يتعايش مع الفساد الجماعي، هو مجتمع أُنهك حتى اختل بوصلة عدالته، فالمشكلة ليست في حفل خطوبة، بل في العجز عن توجيه أصابع الاتهام إلى من يستحقونها.. نحن أمام ثقافة قهر داخلي، لا تهدد الفاسدين بقدر ما تفتك بالنسيج الاجتماعي، فالغضب حق، بل ضرورة، لكن الغضب الذي لا يعرف عدوه، يتحول إلى أداة بيد العدو نفسه؟.