في ظل التحديات التي مرت بها البلاد خلال سنوات الحرب وعدم الاستقرار، تعطلت العديد من الاتفاقيات الدولية التي كانت قد أبرمتها الوزارات المختلفة مع دول شقيقة وصديقة، في مجالات حيوية مثل الكهرباء، والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، والمنح الدراسية، والتبادل الثقافي. ومع دخول البلاد مرحلة تتطلب إعادة تنشيط مؤسسات الدولة واستعادة حضورها الخارجي، تبرز الحاجة الملحة إلى مبادرات عملية تعيد تحريك هذا الملف الحيوي..
وانطلاقا من الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الخارجية، وباعتبارها الجهة المعنية بتنسيق العلاقات الدولية وحماية مصالح الدولة في الخارج، فإن عقد ورشة عمل وطنية تجمع جميع الوزارات والمؤسسات التي لديها اتفاقيات دولية سابقة يُعد خطوة استراتيجية بالغة الأهمية. تهدف هذه الورشة إلى حصر الاتفاقيات المتوقفة، وتقييم وضعها القانوني والفني، وتحديد ما يمكن تجديده أو تطويره بما يتناسب مع المتغيرات الحالية واحتياجات المرحلة..
إن عقد مثل هذه الورشة سيسهم في توحيد الجهود الحكومية، وتجنب الازدواجية، ووضع رؤية واضحة لأولويات التعاون الدولي، كما سيمنح وزارة الخارجية قاعدة بيانات محدثة تمكّنها من توجيه السفارات والبعثات الدبلوماسية لمتابعة هذه الاتفاقيات مع الدول المعنية بشكل أكثر فاعلية ومهنية..
وعلى المستوى العملي، فإن إعادة تفعيل الاتفاقيات الدولية سيكون لها مردود إيجابي مباشر على القطاعات الخدمية والتنموية، من خلال استقطاب الدعم الفني والمالي، ونقل الخبرات، وتوفير فرص التدريب والمنح الدراسية، وتعزيز التبادل الثقافي، الأمر الذي ينعكس إيجابا على حياة المواطنين ويسهم في دعم مسار التعافي وإعادة الإعمار..
أما على صعيد وزارة الخارجية، فإن هذه الخطوة تعزز من دورها القيادي في تنسيق العمل الحكومي الخارجي، وترفع من كفاءة الأداء الدبلوماسي، وتعيد الثقة بدور الدولة كشريك جاد وملتزم بالاتفاقيات الدولية، بعد فترة من الانقطاع القسري الذي فرضته الظروف الاستثنائية..
وفي المحصلة، فإن عقد ورشة عمل شاملة لإحياء الاتفاقيات الدولية المتوقفة لا يُعد إجراءً إداريا فحسب، بل يمثل خيارا وطنيا استراتيجيا يعكس إرادة حقيقية لإعادة بناء الدولة، وتعزيز علاقاتها الخارجية، وتسخير التعاون الدولي لخدمة التنمية والاستقرار، بما يعود بالنفع على الوزارة وعلى الوطن ككل..