كانت ثورة فبراير، وكانت من القوة: شعبيًا وجماهيريًا، ونخبًا وفئات؛ ما جعلها تظهر بوضوح أنها جاءت معبّرة عن الشعب بكل فئاته، وهو ما لا يستطيع أن ينكره أحد.
لم تأتِ ثورة فبراير من عام 2011م فجأة؛ وإنما سبقتها إرهاصات وفعاليات، وكانت الهبّة الشعبية التي أُعلن عنها مسارًا واضحًا في طريق التصعيد السلمي الذي شمل جلّ المحافظات، إن لم يكن جميعها.
وشهدت الساحة الداخلية مبادرات تجاه ما تتبناه مطالب الشباب؛ سواء كانت هذه المبادرات من داخل النظام أو من خارجه، لم يُكتب لها النجاح؛ لأن من في السلطة دائمًا يصعب عليه التخلي عن السلطة، فتأتي مبادرات النظام — أي نظام — وفق ما يرغب به، وما يأتي من خارج النظام يواجهه من في السلطة بمحاولات التطويع لبنوده أو تمييعه؛ ولذا لم يُكتب للمبادرات الداخلية النجاح.
هذا المد الشعبي القوي لثورة فبراير استلفت أنظار الأشقاء في دول الخليج العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية، وحرصًا على استقرار اليمن تبنّت ما عُرف بالمبادرة الخليجية.
كانت نذر أن يتجه الوضع إلى التصعيد، وإلى مصادمات ومواجهات، قائمة، خاصة أن بلدين عربيين اتخذ نظاماهما قرار مواجهة الشعب عسكريًا، وهناك من يرى أن النظام شاء جرّ ساحات الحرية وميادين التغيير إلى المواجهة في أكثر من موقف كيوم جمعة الكرامة أو إحراق ساحة تعز؛ لكن كان موقف القوى السياسية ما تعبّر عنه الساحات من شعار الثورة السلمية.
في ظل هذا الجو المشحون تبنّت المملكة العربية السعودية المبادرة الخليجية بهدف التوصل إلى حل يجنب اليمن مزالق المواجهات العنيفة، أو ما يمكن أن يصل إلى حرب أهلية، كما حدث في دولتين عربيتين أخريين.
طُرحت المبادرة الخليجية على الطرفين: الثورة والنظام، بدءًا من شهر أبريل 2011، غير أن النظام تلكأ وتمنّع في أكثر من مرة عن التوقيع عليها، وسوّف في قبولها، وماطل في التعاطي معها.
ثم طُرحت المبادرة بإطارها ومحاورها وآليتها التنفيذية، وبُذلت فيها جهود كبيرة من المملكة مع النظام حتى رضخ أخيرًا ليتم التوقيع عليها في 23 من شهر نوفمبر 2011م، أي بعد سبعة أشهر من حين الإعلان عنها.
والحقيقة أن جهود دول مجلس التعاون العربي عامة مع هذه المبادرة، والمملكة العربية السعودية خاصة، كانت محل تقدير؛ لأنها وضعت حدًا لمتاهات كان يمكن أن تذهب إليها البلاد، فجاءت المبادرة بردًا وسلامًا وجنّبتها ما لا يُحمد عقباه.
وقد أفضت المبادرة إلى اتفاق وتشكيل حكومة وفاق كما رسمته المبادرة الخليجية، وسارت آليتها باتجاه التنفيذ بحسب ما طرحته المبادرة وآليتها، وظلت حكومة الوفاق 32 شهرًا في الحكم، خطت خطوات مهمة نحو الأمن والاستقرار وتحسين الوضع المعيشي وغيره.
واليوم تعزّز المملكة العربية السعودية موقف الحرص على وحدة اليمن وأمنه واستقراره بمواقف أخوية، يتعزز معها تقدير الشعب اليمني لهذه الجهود المتميزة.
واليمنيون أوفياء لكل من يقف معهم بإخاء صادق وحرص عملي ظاهر، وهو ما يلمسه اليمنيون اليوم واقعًا ملموسًا ومشاهدًا في الميدان.