كان المجلس الانتقالي يتصدر المشهد في العاصمة عدن، بل في الجنوب عمومًا.
واليوم، وبعد كل التحولات السياسية والإقليمية، يبرز سؤال واقعي لا يحتمل المجاملة:
من يتصدر المشهد فعليًا؟
هل هو مجلس القيادة الرئاسي؟
هل هي أحزاب التكتل الوطني؟
هل قوى سياسية جديدة أعادت تشكيل موازين القوة؟
من حيث المبدأ العام، يتحمل رئيس مجلس القيادة ومعه الأشقاء مسؤولية إدارة المرحلة، لكن السؤال الأدق:
هل هم من يديرون المشهد فعليًا على الأرض؟
باستثناء نسبي يمكن الإشارة إلى حضرموت، حيث يبرز عضو مجلس القيادة سالم الخنبشي بدعم واضح من رئيس المجلس، إلا أن مركز الثقل السياسي والأمني يظل في عدن وما حولها.
وهنا نعود إلى السؤال الجوهري:
هل تغيّر الحاكم الفعلي لعدن؟
هل تسلمت قوة جديدة مفاصل المدينة؟
هل نشأت قيادة سياسية وأمنية مختلفة تتحمل مسؤولية الإدارة؟
الواقع – بعيدًا عن الأمنيات – يقول غير ذلك.
ما يزال المجلس الانتقالي هو الفاعل الأبرز سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا في عدن، إذا استثنينا ملف الخدمات الذي تحمّله الأشقاء مؤخرًا وحققوا فيه تحسنًا ملموسًا في حياة الناس اليومية.
أما بقية مفاصل المشهد، فصورتها الواقعية واضحة:
• قيادة عدن السياسية ما تزال في يد الانتقالي.
• الأجهزة الأمنية في المدينة بقيادات محسوبة عليه.
• المجالس المحلية وإداراتها التنفيذية يغلب عليها حضوره.
• الإعلام الرسمي في عدن ما يزال ضمن دائرة نفوذه.
• المكتب التنفيذي للعاصمة عدن بتشكيلته المعروفة.
• المؤسسات الإيرادية والموانئ والبنوك وشركة النفط وعدد من المؤسسات الاقتصادية تقاد بشخصيات تنتمي إليه.
• قيادة المنطقة العسكرية الرابعة ما تزال ضمن ذات الإطار.
هذه هي الصورة الواقعية، لا كما يُراد لها أن تُعرض إعلاميًا، بل كما تُدار فعليًا.
صحيح أن هناك تحولًا في دائرة النفوذ الإقليمي من الهيمنة الإماراتية المباشرة إلى حضور سعودي أكثر وضوحًا، مع اختلاف جوهري في الأهداف؛ فالسعودية تتجه – وفق خطابها السياسي – نحو تعزيز حضور الدولة اليمنية ووحدة أراضيها.
لكن هذا التحول، حتى اللحظة، لم يتحول إلى سيطرة تنفيذية فعلية على أدوات القرار السياسي والمدني والعسكري داخل عدن.
وإذا كان هذا هو المشهد، فإن المسؤولية المباشرة عمّا تشهده عدن من اختلالات وفوضى وفساد لا يمكن فصلها عن المنظومة المسيطرة على أدوات الإدارة الفعلية.
ومع ذلك، فإن التسليم بهذا الواقع دون مراجعة أو تصحيح لا يُعد فقط توصيفًا، بل يتحول إلى قبول ضمني بالانكسار.
وهنا تتوزع المسؤولية على ثلاثة أطراف:
• مجلس القيادة الرئاسي، بوصفه السلطة الشرعية الأعلى.
• الحليف السعودي، باعتباره الداعم والمؤثر في موازين القوة.
• الأحزاب والقوى الوطنية، التي لا يجوز أن تكتفي بدور المتفرج.
السؤال لم يعد: من يسيطر؟
بل: من يملك الشجاعة لتحمل المسؤولية التاريخية لتصحيح المسار؟
فهل يدرك الجميع أن استمرار هذا المشهد يعني تثبيت واقع لا يخدم الدولة، ولا يعزز الاستقرار، ولا يحقق تطلعات الناس؟
عدن لا تحتاج تبادل بيانات، بل تحتاج وضوحًا في القرار، ووحدة في الرؤية، وإرادة حقيقية لاستعادة مفهوم الدولة، لا مجرد إعادة توزيع النفوذ.
لكن استمرار توصيف الواقع وحده لا يصنع تغييرًا، بل قد يتحول – بمرور الوقت – إلى شكل من أشكال التكيّف معه.
المطلوب اليوم ليس إعادة تدوير الاتهامات، ولا تبادل أدوار اللوم، بل الانتقال إلى لحظة قرار وطني واضح تقوم على ثلاث خطوات لا تحتمل التأجيل:
أولًا: إعادة تعريف المسؤولية داخل مجلس القيادة الرئاسي، بحيث لا تبقى مسؤولية شكلية بلا أدوات تنفيذ حقيقية على الأرض.
ثانيًا: دعم سعودي مباشر لتمكين مؤسسات الدولة في عدن إداريًا وأمنيًا واقتصاديًا، لا الاكتفاء بإدارة ملف الخدمات.
ثالثًا: خروج الأحزاب والقوى الوطنية من موقع المتفرج إلى موقع الفعل، عبر موقف سياسي موحّد يضع استعادة الدولة فوق كل حسابات النفوذ والمصالح الضيقة.
فعدن لم تعد تحتمل إدارة بالتوازنات، ولا بترحيل الأزمات، ولا بانتظار تفاهمات الخارج.
إن لم يتحول هذا الإدراك إلى فعل سياسي منظم، فإن الواقع القائم سيتحول تدريجيًا من حالة مؤقتة إلى بنية دائمة يصعب تفكيكها.
وحينها لن يكون السؤال: من يدير عدن؟
بل: لماذا تخلّى الجميع عنها وهي تتآكل أمام أعينهم.