قال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾.
ليست آية عن قوم مزقوا الصحائف، بل عن وعي مزّق المعنى حين حوّل المنهج الواحد إلى اجزاء منتقاة، فأخذ ما يوافق الهوى وترك ما يطالب بالمراجعة، وكأن الحقيقة يمكن أن تعيش مجزأة، أو كأن النور يؤدي رسالته إذا سُمح له أن يضيء زاوية ويحجب عن أخرى.
“عِضين” ليست إنكارا صريحا ، بل قبولا مبتورا؛ احتفاظًا بالشكل وإهمالا للجوهر، كما يحتفظ التاريخ احيانا بالشعارات الكبرى بينما يفرغها السلوك من مضمونها. ومن هنا يتسلل المعنى المختل، لا دفعة واحدة، بل عبر مسار طويل من التبرير والتأجيل، حتى يصبح الانتقاء عادة ذهنية، ويغدو الجزء المريح بديلا عن الكلّ الملزم .
في التاريخ، لم يكن الانقسام دائما في النص، بل في العلاقة به؛ حين تحول القرآن من مرجعية تُصحح السلطة إلى أداة تُجمّلها، ومن ميزانٍ فوق الحاكم إلى غطاءٍ يمنحه مشروعيةً لفظية. فاستُدعيت بعض الآيات لتثبيت الواقع، وأُقصيت أخرى لأنها تُقلق البناء القائم. وهكذا نشأ نمطٌ من التدين يُجيد المديح ويخشى المحاسبة، ويُتقن الخطابة لكنه يتردد أمام العدل إذا مسّ ميزان القوة.
وفي السلوك اليومي، يظهر “العضين” حين تنقسم الشخصية بين عبادةٍ صادقة وسلوكٍ انتقائي؛ نصلي ونصوم، ثم نقبل ظلمًا لأن فاعله قريبٌ منا، أو نصمت عن فسادٍ لأنه لا يهدد موقعنا. نتحدث عن الكرامة، لكننا نساوم عليها إذا اقتربت المصلحة، ونرفع راية القيم، لكننا نخفضها عند أول اختبارٍ عملي. هنا لا يُنكر القرآن، لكنه يُحاصر داخل حدودٍ ضيقة لا يُسمح له أن يتجاوزها إلى القرار والموقف.
وفي الفقه، حين يُفصل الحكم عن مقاصده، أو يُنتزع النص من سياقه، أو يُختزل الدين في جزئيةٍ تُخدم تصورًا مسبقًا، تتحول الاستدلالات إلى أدوات تثبيت لا أدوات تحرير. يصبح التعصب مدرسةً مغلقة، يُدافع عن الرأي كأنه هو الدين ذاته، وتضيق المساحات التي تتسع للاجتهاد الصادق. ومع التعصب، تتراجع العلاقة الحية بين الإنسان والقرآن، ويحلّ محلها انتماءٌ متوتر يحرس الحدود أكثر مما يفتح الآفاق.
أما أخطر مظاهر التعضية، فهو نفاق الحاكم ونفاق المحيطين به؛ حين يرفع القرآن في الاحتفالات، ويغيب في السياسات، وحين تمول مسابقات التلاوة بسخاء، بينما تهمل العدالة وتقمع الأصوات التي تذكر بها. يُستدعى النص ليمنح شرعية، لا ليصنع مساءلة، ويزين الخطاب بالآيات، بينما يدار الواقع بغير ميزانها.
وفي رمضان، تتجدد فرصة الخروج من هذا الانقسام. لا نحتاج إلى زيادة التلاوة بقدر ما نحتاج إلى استعادة الوحدة؛ أن نعيد وصل ما انقطع بين النص والحياة، بين القلب والموقف، بين العبادة والعدل. فالصيام ليس امتناعا عن الطعام فحسب، بل تدريبٌ على كبح الهوى الذي يصنع الانتقاء، وعلى قول “لا” للرغبة حين تخالف الحق، كما نقولها للجوع والعطش.
نحتاج في هذا الشهر إلى صدق مواجهة النفس، إلى أن نقرأ الآيات التي تضعنا تحت الميزان قبل الآيات التي تمنحنا الطمأنينة، وأن نقبل أن يكون القرآن ناقدا لنا قبل أن يكون مؤيدا لنا. نحتاج إلى قراءة كلية ترى المنهج نسيجا واحدا ، فإذا قرأنا عن الرحمة قرأنا معها عن القسط، وإذا قرأنا عن الطاعة قرأنا معها عن المسؤولية، وإذا قرأنا عن الصبر قرأنا معه عن مقاومة الظلم.
ونحتاج إلى شجاعة الموقف؛ أن لا يكون القرآن زينة خطاب، بل معيار قرار، وأن لا نبرر الظلم لأن صاحبه قريب أو قوي. فالصمت حين يجب الكلام صورةٌ خفية من صور “العضين”.
القرآن نسيجٌ واحد، لا يعمل بنصفه كما لا يعمل القلب بنصف نبض. هو علاقة، قبل أن يكون شعارًا؛ ميزانٌ قبل أن يكون زينة؛ مشروع بناء للإنسان والتاريخ معا. ومن أراد رؤية واضحةً لمستقبل متماسك، فعليه أن يقبل المنهج كاملا، رحمة وعدلا، إيمانا ومساءلة، عبادةً وعمرانا. أما الاكتفاء بالبعض، فليس سوى تاريخ يعيد أخطاءه، وسلوك ينقسم على نفسه، وعلاقة تفقد دفئها شيئا فشيئا.