أكثر ما يؤلم الإنسان ليس خسارة مالٍ أو منصب، بل أن يكتشف أن من ظنهم إخوة دربٍ وشركاء نضال، يختارون الصمت حين يُمتحن الوفاء.
كانت مؤسسة الشموع، في ذروة حضورها وتأثيرها، بيتًا مفتوحًا للجميع. لم تنتظر اتصالًا لتقف مع أحد، ولم تساوم يومًا على موقفٍ وطني. وقفت مع القوى السياسية كافة، إلا مع تيار الإمامة والرجعية، وكانت شريكة في الأوجاع كما في المواقف، سندًا لقياداتٍ وأحزابٍ ووزراء وبرلمانيين، في المنعطفات الصعبة قبل الأيام المريحة.
اليوم، حين تمر الشموع بأقسى محنها، يكاد الجميع يصم أذنيه. وكأن ما جرى لها خطأ إداري أو تعثر عابر، لا ثمنًا واضحًا لمواقف وطنية صلبة.
في صنعاء، دفعت المؤسسة ثمن موقفها العقائدي والمبدئي تجاه مليشيات الحوثي؛ صودرت مبانيها، نُهبت مطابعها، أُخذت مخازنها وسياراتها ومنقولاتها.
وفي عدن، دفعت ثمن رفضها لكل أشكال المليشيات ولسياسات العبث؛ أُحرقت المؤسسة بالكامل، ونُهبت ممتلكاتها أمام أعين الجميع، وكل شيء موثق لا يقبل التأويل.
ما حدث لم يكن نتيجة فشلٍ أو خطأ، بل نتيجة ثبات.
وفي مثل هذا الظرف، لا يكون وقوف الدولة مع مؤسسة الشموع منّةً ولا فضلًا، بل استحقاقًا وعدلًا واجبًا. فالمؤسسة لم تدافع عن نفسها فحسب، بل عن الدولة، عن الجمهورية، عن فكرة النظام في مواجهة الفوضى.
سنوات ونحن نترقب موقفًا حقيقيًا من أصدقاء الأمس وشركاء النضال، لكننا لم نحصد إلا مجاملات هاتفية وكلمات عابرة لا تسند جدارًا ولا ترد مظلمة.
مؤسف أن يتنكر البعض لدور الشموع ومواقفها. لكن من يستطيع أن يحجب الشمس وهي في كبد السماء؟
إلى كل من يتنكر اليوم وهو في موقع التأثير، نقول: الأيام دول، والمواقف ديون في أعناق الرجال الصادقين.
كان بإمكاننا أن نكون في حالٍ أفضل، لو سلكنا طريق مزاد بيع القيم.
كان بإمكاننا أن نساوم، أن نصمت، أن نبيع كما باع غيرنا.
لكننا رفضنا… لأن العقيدة لا تُباع، ولأن الإيمان بالمبدأ ليس سلعة.
كان بوسعنا أن نبيع من باعونا، وأن نقبض ثمنًا غاليًا، لكننا اخترنا أن نبقى أوفياء لأنفسنا أولًا.
لقد كنا الأكثر وفاءً، والأكثر تمسكًا بالثوابت، حتى وإن دفعنا الثمن وحدنا.
وبقاء الحال من المحال. لن يبقى وضعنا كما هو. سنتجاوزه يقينًا، بإذن الله.
تفرجوا… واخذلوا… فسيأتي يوم تتلاقى فيه الوجوه، والتاريخ لا ينسى، وصفحاته تحفظ مواقف الرجال كما تحفظ خذلانهم.
والزمن، في النهاية، هو أعدل الشهود !!