;
صلاح القميري
صلاح القميري

اغتيال الكيان القانوني للدولة 477

2026-02-25 05:33:46

ليس كل اغتيال يُرتكب برصاصة في الرأس أو بخنجر مسموم، أو بدم بارد. هناك اغتيال لا يُرى يمارس بهدوء مخيف خلف مكتب مغلق، وأمام شاشة حاسوب، بضغطة زر تمسح وطناً من على صفحة رسمية. اغتيال يمارس بصمت إداري، وبمؤشر فأرة يضغط على حذف فيمحو وطناً. بقرار إداري اغتيال الكيان القانوني للدولة هو أشد أنواع الاغتيال وأكثرها فتكاً*، لأنه لا يودي بحياة إنسان واحد، بل يودي بحياة أمة بأكملها.

اغتيال شعار الدولة

يتحول الحبر إلى دم نعم اغتيال لم يصب أحداً برصاصة، لم يمت أحد في الشارع، لكن وطناً كاملاً مات في تلك اللحظة، مات بصمت، كان الطير الجمهوري هناك، شعار الدولة، الذي رسمه فنان رسم فيه روح أربعين مليون إنسان رسم فيه دماء الشهداء، رسم على العملات النقدية التي تتداولها الأيدي في كل مدينة وقرية، يزين واجهات المدارس التي يتعلم فيها الأطفال حب الوطن، ويزين القلوب قبل أن يزين الجدران. ثم في لحظة، يتم اغتياله. ما حدث ليس خطأ إدارياً. بل هي جريمة اغتيال للكيان القانوني للدولة، بكل ما تحمله العبارة من معنى. وانسلاخ عن الصفة الوظيفية وتنكر كامل للقسم.

انتحال الصفة السيادية

حينما تمارس هذه الأفعال من موظف تنفيذي، فإنه لا يتجاوز صلاحياته فحسب، بل ينتحل صفة المشرع. هذا ما يسميه الفقه القانوني انتحال الصفة السيادية وهو أشد صور انعدام الولاية. لم يتغير شيء، إلا أن مسؤولاً قرأ النص وتحداه، ثم صمتت الحكومة فشجعت غيره على التحدي، في مواجهة المادة الأولى من الدستور التي تنص على: أن الجمهورية اليمنية دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة، وهي وحدة لا تتجزأ، ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها وفي مواجهة نص المادة (125) عقوبات تحديداً.

هنا مكمن الجريمة الأعمق، وسر الاغتيال الأشد فتكاً. فاغتيال الكيان القانوني للدولة لم يكتمل بفعل المسؤول وحده. المواطن البسيط الذي يتابع المشهد، يرى مسؤولاً يغير هوية وطنه، ويرى حكومة لا تتحرك، فيسأل في حيرة: هل ما زالت هذه الدولة موجودة؟ *هل لي وطن بعد اليوم؟

بهذا السؤال يبدأ الموت البطيء للدولة، ليس باغتيال قادتها، بل باغتيال اليقين بوجودها في قلوب أبنائها. حين يخفت الصوت الرسمي في وجه من يعبث بالهوية، يصمت الوطن كله، ويموت في صمت.

shape3

ذاكرة الأمة وهويتها

يأتي الدور على تلك العلامات الصامتة التي تحمل في طياتها تاريخ أمة بأكملها. الطير الجمهوري لم يكن مجرد شعار، كان أيقونة جامعة، كان الصورة البصرية للفكرة الوطنية، ما يراه الطفل في الكتاب المدرسي فيتخيل وطناً، وما تراه الأم على العملة النقدية فتشتري به رغيفاً، وما يراه الجندي على كتف قائده فيقف ثابتاً لأداء التحية العسكرية. فحين يغتال شعار الدولة هذا من الصفحة الرسمية لأي وزارة أو مؤسسة أو مرفق حكومي يحدث فراغ لا يملؤه سوى السؤال من نحن إن لم نكن من نحن؟.

شعار الدولة ليس مجرد رسم وألوان، إنه تجسيد مادي لروح الأمة، الذي يرى المواطن نفسه فيه إذا أراد أن يتخيل انتماءه. ولذلك فإن المساس به ليس جريمة عادية، إنه اغتيال لكيان الدولة. لكن هذه المرة مختلف، لأنه اغتيال ناعم، لا تسمع فيه رصاصة. اغتيال بقرار إداري، بحذف الشعار، بإزالة اسم الجمهورية اليمنية من الصفحات الرسمية، ممن أقسم على حمايتها. الاغتيال المادي يترك جثماناً يدفن، وجراحاً تلتئم، وذاكرة تبقى. أما اغتيال الكيان القانوني فإنه يترك جثثاً تمشي على الأرض، لا تعرف لمن تنتمي، ولا بأي وطن تنتسب، ولا تحت أي سماء تعيش. إنه يقتل الانتماء قبل أن يقتل الأجساد، ويمحو الهوية قبل أن يمحو البشر.

جريمة لا ترتكب وحدها

هذه الجريمة لا ترتكب في لحظة واحدة، بل تحضر لها مقدمات، وتمهد لها سياقات، وتبنى لها مشاريع. حذف شعار الدولة وتغيير المسمى تمهيد لتغيير الواقع، وإزالة الهوية تمهيد لفرض هوية بديلة. إنها عملية جراحية دقيقة، تبتر فيها أعضاء الدولة واحدة تلو الأخرى، حتى إذا استفاق المواطن ذات صباح، وجد نفسه في كيان لا يعرفه، يعيش تحت علم لا يعرفه، وينتمي إلى وطن لم يختره. تلك الجريمة لا يمكن أن تتم في فراغ، لا يمكن أن تكون مجرد قرار فردي.

شهادة في سفر التاريخ

جريمة اغتيال الكيان القانوني للدولة مسجلة باسم مرتكبها أمام القضاء وأمام التاريخ وأمام كل يمني.سيُسأل عن الطير الجمهوري الذي غاب، وعن الاسم الذي مُحي، وعن الوطن الذي مات على شاشة حاسوبه، وعن الوطن الذي سُرق بالبكسل. سيُقال له: هنا أقسمت، وهنا نقضت. هنا كان الوطن، وهنا جعلته كان لم يكن. هنا كانت الهوية، وهنا جعلتها ذكرى. هنا كان الطير يحلق في سماء الجمهورية. إن أثقل ما يمكن أن تحمله شهادة على جريمة اغتيال الكيان القانوني للدولة مسجلة في سفر التاريخ، لا تمحوها الأيام، ولا يغفرها النسيان.

يبقى الواجب

هنا يبقى الدفاع عن شعار الدولة واجباً مقدساً، وحماية الهوية مسؤولية الجميع، من أعلى مسؤول إلى أبسط مواطن. لأن من يفرط في الشعار، يفرط في الوطن. ومن يتخلى عن الهوية، يتخلى عن الذات الطير سيبقى يحلق. ما دام في السماء طير يذكرهم بالحرية.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد