دولة الرئيس،
لم تعد الدبلوماسية اليوم وظيفة إدارية تدرج في هيكل الحكومة، ولا مقعدا في قاعة اجتماعات دولية، ولا بيانا يقرأ في مناسبة عابرة. العالم تغير والدول لم تعد تستهدف عند حدودها الجغرافية فقط، بل عند حدود دبلوماسيتها. لم تعد السيادة تقاس بما تملكه الدول من سلاح فحسب، بل بما تملكه من قدرة على حماية روايتها، وصياغة صورتها، وفرض حضورها في وعي العالم..
اليمن يقف اليوم في قلب معركة معقدة تتقاطع فيها السياسة بالجغرافيا، ويتداخل فيها التاريخ بالمصالح الإقليمية والدولية. ومع ذلك، ما تزال الدبلوماسية تدار بعقلية الوظيفة لا بعقلية الاستراتيجية. وهذا الخلل ليس إداريا فقط، بل سيادي بامتياز..
السؤال الذي يجب أن يُحسم بوضوح وشجاعة هو:
ما هو موقع الدبلوماسية في منظومة السيادة الوطنية؟
أنت أكثر واحد يعرف أن الدبلوماسية ليست ترفا مؤسسيا، وليست ملاذا للترضيات أو مكافأةً للمقربين، بل هي خط الدفاع الأول عن الدولة في زمن تتقدم فيه الصورة على المدفع، والكلمة على الرصاصة، والتحالف على الخندق. هي القدرة على تعريف الذات أمام العالم، وعلى منع الآخرين من تعريفك نيابة عنك. وأخطر ما يمكن أن يحدث لدولة ليست خسارة معركة عسكرية، بل خسارة روايتها..
اليمن اليوم يعاني من فراغ في عقيدته الدبلوماسية، لا يوجد تصور واضح لدوره في الإقليم، ولا خطاب موحد يعبر عن مصالحه، ولا شبكة تحالفات تدار وفق رؤية طويلة المدى. في المقابل، الآخرون يكتبون قصته، ويختزلونه في عناوين تختصره في الحرب، أو في الأزمة، أو في كونه ساحة صراع لا دولة ذات تاريخ وموقع وأهمية..
إن استمرار هذا الفراغ يعني أن اليمن يتنازل طوعا عن أحد أهم أدوات سيادته.
دولة الرئيس،
الدبلوماسية ليست مجرد تمثيل خارجي، بل صناعة قرار، وإدارة مصالح، وبناء سردية وطنية. وهي لا تنهض إلا بثلاثة شروط لا يمكن التهاون فيها:
أولا: الكفاءة.
الدبلوماسي ليس موظف بروتوكول، بل عقل استراتيجي قادر على قراءة التحولات الدولية، وفهم توازنات القوى، وصياغة مواقف دقيقة تحمي المصالح الوطنية.
ثانيا: الارتباط العميق بالوطن.
لا قيمة لدبلوماسي لا يحمل قضيته في وعيه، ولا يدافع عن بلده كمن يدافع عن نفسه. الدبلوماسية ليست حيادا باردا، بل انحياز مهني لمصلحة الدولة.
ثالثا: الإمكان المعرفي.
العالم اليوم يُدار بالمعلومة والتحليل والتأثير. من لا يملك أدوات المعرفة الحديثة، ولا يفهم الإعلام الدولي، ولا يجيد لغته، سيبقى على هامش الفعل..
اليمن بحاجة إلى عقيدة دبلوماسية واضحة تعرف أولوياته، وتحدد دوائر تحركه، وتبني تحالفاته وفق مبدأ المصالح لا ردود الأفعال، بحاجة إلى جهاز دبلوماسي يدار بعقل الدولة لا بعقل اللحظة. بحاجة إلى خطاب موحد لا يتناقض بين الداخل والخارج..
دولة الرئيس،
الجميع يعول عليك في إعادة بناء الدبلوماسية اليمنية فهي ليست مهمة شكلية، بل ضرورة وجودية. إنها استثمار في مستقبل الدولة، وفي موقعها داخل عالم شديد التنافس على المصالح. العالم لا ينتظر المترددين، ولا يمنح موقعا لمن لا يطالب به..
اليمن لا ينقصه التاريخ، ولا الجغرافيا، ولا العمق الحضاري. ما ينقصه اليوم هو إرادة صياغة حضوره بوعي استراتيجي، وتحويل الدبلوماسية من وظيفة إلى عقيدة، ومن تمثيل إلى تأثير، ومن رد فعل إلى فعل..
السيادة لا تحمى بالسلاح وحده، بل تحمى بالكلمة التي تسبق الطلقة، وبالموقف الذي يمنع المعركة قبل وقوعها والدولة التي تريد أن تبقى عليها أن تتكلم بصوتها، لا بصوت غيرها..