صناعة الفوضى والانقلابات حين تجري تحت مظلة الدولة، أو بصمتها، تتحول إلى مسار بالغ الخطورة؛ إذ تختلط فيه حدود الشرعية بنقيضها، وتتشابك صورة الدولة مع مشروع تقويضها. فحين يصف أحد القادة نفسه بـ”القائد العام للقوات الجنوبية”، وتُطلق هذه الصفة من قناة تبث من قلب الرياض وبرعاية التحالف، في ظل صمت رسمي حكومي، فإننا لا نكون أمام توصيف إعلامي عابر، بل أمام مشهد يُعاد تشكيله دون اكتراث بعواقبه.
إن تطبيع خطاب موازٍ لخطاب الدولة، يمنح صفات سيادية خارج إطارها الدستوري، هو تأسيس تدريجي لشرعية بديلة في وعي المجتمع. والتاريخ القريب يعلمنا أن مثل هذه المسارات لا تنتهي بتعدد الألقاب، بل بتعدد مراكز القوة، ثم بتنازعها، فبانقلاب جديد، وتمرد جديد، وقائد جديد يرفع راية الصدام، ومعارك تُفتح، ودماء تُسفك، وبنى تُدمّر، وضحايا يُضافون إلى سجل الألم.
الدولة لا تُهزم فقط حين تُحاصر عسكرياً، بل حين يُعاد تعريفها في الذاكرة الجمعية بوصفها خياراً بين خيارات، لا مرجعية فوق الجميع. وحين يُسمح بخطابات موازية أن تتمدد دون ضبط، فإننا نغامر بمركز الشرعية ذاته، ونمنح الخصومة السياسية لباساً عسكرياً يهدد وحدة القرار والسلاح.
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا لا يُعاد ترسيخ حضور الدولة في ذهنية المجتمع باعتبارها الإطار الجامع لكل القضايا؟ ولماذا يُصر بعض أصحاب القرار على زرع ألغام سياسية وإعلامية ستنفجر، عاجلاً أو آجلاً، في وجه الدولة والشعب والمؤسسات؟
إن حماية الشرعية لا تكون بالشعارات، بل بإغلاق كل المسارات التي تُنتج شرعيات موازية، والتمسك بالمشروع الوطني الجامع بوصفه السقف الوحيد الذي لا يجوز تجاوزه. وإلا فإننا لا نصنع استقراراً مؤجلاً، بل نكتب فصول أزمة جديدة بأيدينا.