حين تمنح العقل حقه في التفكير، تجد نفسك أمام تساؤل بالغ الأهمية:
يُقال إن البوصلة ستتجه إلى صنعاء، لكن السؤال المشروع هو: بأي أدوات، وبأي قيادات، وبأي مشروع؟
هل سنتجه إلى صنعاء بقيادات مليشياوية وقتلة لا يختلفون في جرمهم وإجرامهم عن مليشيات الحوثي في صنعاء؟
هل سنتجه إليها بذات القيادات والتشكيلات التي عملت طوال عقدٍ كامل على إحباط أي مسار جاد نحو استعادتها؟
هل سنتوجه إلى صنعاء بقيادات ترى في بقاء العاصمة تحت الاحتلال خدمةً لمشروعها الانفصالي وتمزيق اليمن؟
هل سنتجه إليها بجيش ما يزال محاصَراً في رواتبه وميزانيته وتسليحه؟
هل يمكن أن نتقدم نحو صنعاء فيما تُحابي الدولة القتلة، وترعى المتورطين، وتمنحهم الامتيازات؟
الحقيقة أننا، واقعياً، لا نتجه إلى صنعاء. والحديث عن ذلك بات استهلاكاً سياسياً لا يسنده فعل على الأرض ولا تدعمه قرارات جادة. لماذا؟
لأن القيادة ـ كما يبدو ـ تنتظر تسوية سياسية قادمة مع مليشيات الحوثي؛ تسوية تقترب من خارطة استسلام أكثر مما تقترب من مسار نصر، رغم أن التحولات الإقليمية والدولية تصب في صالح الشرعية وتعزز موقفها التفاوضي، وكان يمكن أن تحوّل خارطة الطريق من مسار تنازل إلى مسار استعادة دولة.
كل المتغيرات في المحيط، والمواقف الدولية، والضغوط المتزايدة، تخدم مركز الدولة الشرعية. لكن المشكلة أن الشرعية لا تخدم نفسها. نحن أمام خط واحد يكاد يتكرر: إضاعة الفرص، وتحويل كل انتصار عسكري إلى هزيمة سياسية، وكل استعادة للهيبة إلى نكسة جديدة.
كيف يمكن لقيادة أن تخرج شعبها من مربع الإحباط إلى أفق نصر متواصل، فيما تحيط بها دوائر من الجبن والفساد، ومتورطون في محطات انقلابية سابقة؟
كيف يمكن لرئيس أن يقود المركب، وعن يمينه من حاول اغتياله، وعن شماله من كان شريكاً في مخطط الانقلاب عليه؟
المشهد بات مرتبكاً، معقداً، متشابكاً؛ لا تظهر فيه ملامح استراتيجية دولة واضحة، ولا رؤية متماسكة لمواجهة التهديدات المتعاظمة.
كيف يمكن الحديث عن استعادة العاصمة، فيما تُعاد الاعتبارات لمن تلطخت أيديهم بدماء أبناء الشعب، ويُكافأ من حاول الانقلاب على الدولة واغتيال رئيسها؟
أسئلة تتراكم، بينما الإجابات تتوارى، ويظل الطريق إلى صنعاء معلقاً بين الخطاب والواقع ..