لم تكن الانفجارات التي هزت العمق الإيراني فجر الثامن والعشرين من فبراير مجرد "جولة عقابية" تقليدية، بل كانت رصاصة الرحمة على قواعد الاشتباك القديمة. اليوم، نحن لا نشهد حرباً بين دولتين، بل ولادة قيصرية لنظام أمني إقليمي جديد، يُكتب بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، من شواطئ الخليج وصولاً إلى ضفاف المتوسط.
في سنوات مضت، حين كانت طهران في ذروة نشاطها واستهدافها المنشآت الحيوية في السعودية والإمارات عبر وكلائها، اختارت الرياض لغة الحكمة والهدوء، وهو ما فسرته بعض الدوائر حينها بأنه ضعف، بينما كان في الحقيقة "إعادة ترتيب للأوراق". أتذكر اليوم مقابلة الأمير محمد بن سلمان في مايو 2017 على قناة "العربية"، حين قطع الشك باليقين قائلاً: "لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سوف نعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران"—عبارة كانت حينها وعيداً سياسياً، لكنها اليوم تمثل عقيدة عسكرية بدأت ملامحها تتكشف.
انتقال الرد الإيراني الحالي إلى استهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج يمثل محاولة يائسة لاستعادة توازن الردع المفقود. طهران لم تعد تحتمل كلفة القتال داخل حدودها، فلجأت لاستراتيجية "توسيع دائرة الكلفة"؛ وهي رسالة سياسية مغلفة بالبارود مفادها أن استقرار المنطقة بأكملها مرهون بسلامة نظامها.
هذا التطور يضع أمن الخليج في قلب المحرقة مباشرة، ويحوّل القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة إلى "رهائن جيوستراتيجية" في صراع تجاوز مرحلة الوكلاء وأصبح مواجهة مباشرة بين "الأصلاء".
بالتوازي مع انهمار الصواريخ، جاء التلويح بإغلاق مضيق هرمز لرفع سقف الرهانات إلى مستويات انتحارية. تدرك طهران أن العصب الحساس للعالم ليس في الثكنات، بل في "أنابيب النفط". استهداف ممر يعبر منه نحو 20% من النفط العالمي هو محاولة لفرض معادلة: "الأمن للجميع أو الحريق للجميع".
المدقق في المشهد يرى أن التحركات العسكرية الأخيرة ليست مجرد "رد فعل" لحظي، بل جزء من هندسة تحالف أمني عابر للقارات يمتد من شرق المتوسط وصولاً إلى المحيط الهندي، ويهدف إلى محاصرة "النفوذ الأخطبوطي" الإيراني. الجغرافيا الممتدة من حدود باكستان شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً أصبحت اليوم مسرح عمليات واحد مترابط، تتحكم فيه حسابات النفوذ الكوني والطاقة.
يمكن القول بأن ما حدث اليوم هو الإعلان الرسمي عن نهاية زمن "الحروب بالظلال". المنطقة تقف على حافة الهاوية؛ فإما أن تدفع ضخامة التكاليف الاقتصادية الأطراف نحو طاولة تسوية كبرى تعيد رسم التوازنات، أو أننا بصدد انزلاق نحو حرب استنزاف إقليمية ستحرق معها خرائط الاستقرار التي استمرت لعقود.
إذا أحببت، أستطيع أن أصنع نسخة مطولة مع خرائط استراتيجية توضح مواقع الضربات في إيران، القواعد الأمريكية المستهدفة في الخليج، وخطوط النفوذ الإقليمي، لتصبح المادة الصحفية أكثر قوة ووضوحاً للقراء في الصحيفة الورقية.
هل تريد أن أفعل ذلك؟