;
د. محمد بن موسى العامري
د. محمد بن موسى العامري

وقفة مع أحداث إيران الجارية 280

2026-03-02 03:29:16

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ}

قاعدة ربانية، تحكم الأمم، والحضارات، كما تحكم الأفراد، ليس هناك خلود دائم ولا بقاء لأحد، ومن تأمل القرآن الكريم تجلّى له هذا المعنى المتكرر في سير وأحداث الأمم السابقة، وفي بديع سردية القرآن الكريم للأمم في علوها وانحسارها إشارات واضحة إلى عوامل الفناء والهلاك في ثنايا قصصهم، لاستلهام الدروس والعبر، كما في سورة هود - على سبيل المثال - حكاية لعدة أمم ابتدأها بقوم نوح، فعاد، فصالح، فلوط، فشعيب، فموسى، وفي جميعها يذكر القرآن نهايتهم وهلاكهم وعوامل الفناء فيهم، وفي عصرنا الحاضر دروس وعبر متعددة، ومن بينها قيام حركة الثورة الخمينية في إيران عام 78-79 من القرن الماضي، ويومها أتذكر هلّل كثير من الناس، وكبّروا وتعاطفوا معها، وظنوها بوابة النجاة لإنقاذ المسجد الأقصى وتحرير فلسطين من اليهود، وحسبوا أن عهد الانكسار قد ذهب وولّى، وجاء مجد الأمة على أيدي ملالي طهران ومرجعية الولي الفقيه - آية الله الخميني - القادم من منفاه في فرنسا، حاملاً راياته السود من قلب طهران، بعد الإطاحة بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، وفي تلك الفترة التي أتذكرها تماماً لم يكن أحد يستطيع نقد هذه الثورة الهائجة إلا القليل جداً من الناس ذوي الفقه والبصيرة ومعرفة السنن الربانية التي تحكم الأمم والشعوب، وبعض من كتبوا ناقدين - لشدة سطوة الثورة الخمينية واغترار كثير من الناس بها - تحاشوا كتابة أسمائهم الحقيقية على أغلفة مصنفاتهم ككتاب - وجاء دور المجوس - والصراع العربي الإسرائيلي - وأمل والمخيمات الفلسطينية - وجاهر بالنقد العالم الباكستاني - إحسان إلهي ظهير - وكانت نهايته مأساوية بتفجير قنبلة وضعها الشيعة في مزهرية وهو يلقي إحدى محاضراته في الباكستان - لاهور - عام 1407هـ، قتل وجرح فيها عدد من علماء باكستان، وبقي هو جريحاً ونقل بأمر الملك فهد - رحمه الله - للعلاج في المملكة ثم توفي لشدة إصابته ودفن بالبقيع رحمه الله.

واليوم نشهد أفول هذه الثورة وانهيار بنيانها، وذهاب قياداتها وأركان حكمها، وعلى رأسهم المرشد الأعلى - علي خامنئي - وهي نتيجة طبيعية ضمن سنة الله في هلاك الأمم العاتية والمتغطرسة، وقد حذّر في بدايات الثورة الخمينية عدد من العلماء والمفكرين من عواقبها وخداعها وعقائدها وأطماعها، مسترشدين في ذلك كله بخلفياتها العقدية وبتاريخها وأطوارها عبر القرون، وهي قراءة تاريخية وسننية وضرورية لمعرفة هذه الطوائف المغالية والمتطرفة التي تعيد إنتاج نفسها كلما وهن عظم الأمة وخارت قواها.

يتحدث كثير من الناس اليوم - بغفلة أو خداع - متوجسين من فناء دولة الرفض وآثار ذلك على مستقبل المنطقة، مؤكدين أن ذلك سيولد فراغاً لاستغلاله وملئه من قبل الصهيونية العالمية وحلفائها من الصليبيين، وأن حاجز الصد ومحور المقاومة قد تلاشى لصالح القوى الاستعمارية الأخرى - كما يزعمون - وهنا لا بد من وقفات حول هذه الأطروحات التي تعيدنا إلى مربع البدايات للثورة الخمينية.

أولاً:- الذين يتحدثون عن ذلك لديهم عزلة أو شبه قطيعة مع تاريخ الفرق الباطنية والرافضة ودورها في الخيانات وزراعة الفتن، ويكفي تدليلاً على ذلك أن هذه الطوائف لم تقم يوماً بأي مشهد حضاري أو نصرة للإسلام عبر تاريخها! والمدون كله المتواتر خلاف ذلك، ما بين غدر وتآمر ضد المسلمين، وواقع الحال شاهد على أضغانهم وأحقادهم من خلال تخبطهم وإرسال صواريخهم وأسلحتهم ومسيراتهم على العواصم العربية، رداً على الحرب الدائرة عليهم من قبل الدولة اليهودية بحجة القواعد الأمريكية - زعموا - والجميع يعلم أنهم يعدّون العدة لاحتلال عواصم المسلمين وفي مقدمة ذلك المقدسات الإسلامية.

ثانياً:- ويغفل هؤلاء عن مراحل الثورة الخمينية منذ نشأتها وأنها في غالب الأطوار متحالفة مع الصهيونية ومتخادمة معها، وهو أمر مكشوف يعرفه المتابعون والمطلعون على سياساتها، وقد كانت الدولة العبرية - إسرائيل - تمدهم بالسلاح وأنواع الدعم اللوجستي ضد صدام حسين - رحمه الله - في الحرب العراقية الإيرانية، وهو أمر موثق لا يمكن نكرانه، وكانوا جسراً للعبور للصليبية وحلفائها في غزو أفغانستان، ولم تطأ أمريكا بأقدامها العراق وتحتله إلا بتحالف مكشوف مع نظام ملالي طهران الذين كانوا مطية وأداة تمكين لاحتلال العراق، وأسند إليهم الأمريكيون مهمة التنكيل بأهل السنة وعلمائهم وقياداتهم في العراق، كما حصل في سجون الاحتلال في العراق، وفي عملية شنق الرئيس صدام حسين استفزازاً في يوم الأضحى للمسلمين على أيديهم.

ثالثاً:- حينما خرجت إيران عن المسار المرسوم لها وتجاوزت سقفها المتخادم حصلت حالة الفراق مع حلفائها، وشعروا أنها قد أدت دورها واستنفذت مهمتها، ومالت كلياً إلى المعسكر الشرقي، وأنه قد حان الوقت لتقليم أظافرها، وأن خدمتها لم تعد ضرورية، وهي أحوال ومحطات طبيعية ومعهودة في تصارع الحلفاء وتنافرهم بسبب اختلاف مصالحهم وتوسع أطماعهم وتدافعهم على مواقع النفوذ، ضمن سنة الصراع والاستدراج الإلهي للماكرين.

رابعاً:- الذين يشفقون من توسع الأطماع الصهيونية والصليبية في ظل انقراض مشروع ولاية الفقيه يغفلون عن دور الفزاعة الإيرانية في المنطقة لابتزاز حكامها ودفعهم للتطبيع مع العدو، وأن ذلك الدور التخادمي لولاه لما حصلت المسارعة لمشاريع التطبيع، فالفضل فيه يعود إلى مشاريع توسع النفوذ الإيراني التدميري في المنطقة وأطماعها وتمكين ميليشيا الخراب التي زرعتها إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

خامساً:- وفيما يتعلق بالمشروع اليهودي والصليبي في المنطقة، لا ريب أنه مشروع خراب وهلاك، وأنه العدو الأزلي، والتاريخ والواقع يشهدان بذلك ولا يحتاج إلى تدليل عليه، لكن أدواته متعددة ومتنوعة، ومن بينها صناعة الطوائف الضالة والمنحرفة وإسنادها ودعمها لإضعاف شوكة الأمة، وهو ما حصل مع دولة الرافضة في مراحلها الأولى قبل استنفاذ مهمتها والاستغناء عن خدماتها.

ختاماً:-

قوة هذا المشروع الاستعماري ليست في مجرد انحسار المشروع الصفوي الرافضي، فكلاهما قد أثخن في جراح الأمة، وما فعله الصفويون الرافضة في لبنان والعراق وسوريا واليمن من الجرائم والانتهاكات والقتل والتهجير والتدمير فوق ما فعله الصهاينة في فلسطين بكثير، وإنما تكمن قوة المشروع الصهيوني والصليبي في تفرق المسلمين واختلاف كلمتهم وذهاب ريحهم وانشغال بعضهم ببعض وفقدان الثقة فيما بينهم، وحينما يأذن الله بأفوله لن يكون على أيدي طوائف الخيانة والضلالة، ولن يكون لهم شرف الإسهام في ذلك، ولن يكون إلا على أيدٍ طاهرة تستحق أن يتنزل عليها النصر الإلهي، وهو ثابت شرعاً وقدراً متى ما راجعت الأمة الإسلامية حساباتها - دولاً وجماعات وأفراداً - ومفتاح ذلك في عودة الأمة إلى هويتها الإسلامية الأصيلة ولزوم منهجها القويم والأخذ بسنن الله وتدابير ومقومات النصر والتمكين، وهي عملية بنائية وتراكمية قد لا تأتي فجأةً نظراً لكثرة الأوجاع التي أصابت الأمة في مختلف مجالات الحياة، لكن ذلك كائن وفق سنة الله، وتبدل الأيام قادم لا محالة، وما تتمتع به أمة العلو والفساد في الأرض - المشروع الصهيوني والصليبي - أيضاً له أجل ونهاية، وإرهاصات ذلك بادية لمن يأخذ الأمور وفقاً لمعطياتها وسننها، ولكل أمة أجل.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد