تمرُّ خمسة أعوامٍ وما زال حضورك أكبر من الغياب، وأقوى من الفقد، وأعمق من أن تحتويه الكلمات.
في مثل هذا اليوم لم تُطفأ روحك، بل أضاءت طريقًا من المعنى والكرامة والوفاء. رحلتَ جسدًا، وبقيتَ موقفًا، وبقي اسمك شاهدًا على زمنٍ كانت فيه القيم تُختبر، فكنتَ أنت الإجابة.
كنتَ لنا أخًا حين تضيق الدنيا، وسندًا حين تشتدُّ العواصف، ورمزًا حين تختلط المعايير. حملتَ مسؤوليتك بشرف، ومضيتَ في دربك ثابت الخطى، لا تُساوم على حق، ولا تنحني لعاصفة. وحين ارتقيتَ شهيدًا، ارتفعتَ في قلوبنا مقامًا لا يبلغه إلا الصادقون.
في ذكراك الخامسة، لا نبكيك ضعفًا، بل نستحضرك قوة. لا نستدعي ألم الفقد فقط، بل نستعيد عزة السيرة ونقاء المسار. فالشهداء لا يموتون في وجدان أهلهم، بل يتحولون إلى بوصلةٍ للثبات، وإلى وصيةٍ مفتوحةٍ بأن الطريق الذي سلكوه لا يزال جديرًا بأن يُسلك.
سلامٌ عليك يوم وُلدت، ويوم جاهدت، ويوم ارتقيت، ويوم تبقى فينا حيًّا ما بقي الوفاء في الصدور.
نم قرير العين يا أخي… فما زرعتَه فينا من كرامةٍ وصبرٍ لن يذبل، وما تركتَه من أثرٍ سيظل شاهدًا أن الرجال الكبار لا يُغيّبهم الغياب.
رحمةُ الله عليك، وعلى كلِّ الشهداء الذين آمنوا بما آمنتَ به من مبادئَ وعقيدةٍ وقيم، وآمنوا أنَّ العقيدةَ والوطنَ يسموان على كلِّ ثمن، وأنَّ في سبيلهما تَرخص الأرواح وتُبذل التضحيات.
سلامٌ على أرواحٍ صدقت ما عاهدت الله عليه، فلم تُبدّل ولم تُساوم، ومضت ثابتةً إلى قدرها، راضيةً مطمئنة. لقد اخترتم الطريق الأصعب؛ طريق الوفاء للفكرة حين يخذلها الكثيرون، وطريق الانحياز للوطن حين تختلط الحسابات.
ستبقون في ضمير الأمة شعلةً لا تنطفئ، وفي ذاكرة الأهل عهدًا لا يسقط، وفي وجدان الأحرار درسًا خالدًا أن القيم ليست كلماتٍ تُقال، بل مواقف تُدفع أثمانها كاملة.
رحمكم الله رحمةً واسعة، وجعل ذكراكم حياةً في قلوبنا، وعزاءً يليق بعظمة تضحياتكم.