;
سيف محمد الحاضري
سيف محمد الحاضري

في بلكونة الحرب … حين اجتمع ضحايا الشرق ليروا سقوط جلاديهم 520

2026-03-05 05:29:28

ندخل اليوم الخامس من مشاهد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومليشياتها من جهة أخرى… كما ندخل اليوم الخامس من العدوان الإيراني على دول الخليج ودولة الأردن الشقيق.

shape3

ولليوم الخامس، وأنا – الضحية لكلا طرفي هذه الحرب – أجلس على كرسي في البلكونة، أراقب المشهد. ومع كل صورةٍ تمر أمامي تعود بي الذاكرة إلى عشرات المشاهد من حروب العدوان الإيراني ومليشياته علينا في اليمن، وفي سوريا، وفي العراق، وفي لبنان.

وبجواري يجلس ابن عمي الفلسطيني على كرسي آخر، يتابع باهتمام مشاهد “الأكشن” التي تدور بين إيران وإسرائيل.

لكنه مع كل صاروخ يسقط على تل أبيب، تعود به الذاكرة إلى عشرات الصواريخ التي كانت تتساقط على غزة، وصور أشلاء الأطفال الضحايا التي لا تغادر ذاكرته.

وفي الجهة الأخرى كان شابٌ سوري يأكل قطعة من الحلوى، وعلى وجهه ابتسامة عريضة لا تفارقه.

سألته:

لماذا هذه الابتسامة الواسعة لا تغادر وجهك؟

أجاب قائلاً:

أنا لا أبتسم بإرادتي… إنما الابتسامة، والفرح، ومظهر التشفي، يسري في كل نقطة دم في جسدي. فمع كل مشهد يسقط فيه قائد إيراني، تعود بي الذاكرة إلى أصوات الأمهات، وإلى تضرعات آلاف الشيوخ والعجائز إلى الله أن يريهم بأسه وغضبه على إيران وقادتها وعلى قادة مليشياتها.

ثم صمت قليلاً… وتحولت الابتسامة إلى دموع.

قلت له:

ما بك؟ لماذا تحوّل الفرح إلى حزن؟

رد قائلاً:

هذه ليست دموع حزن… هذه دموع فرح.

دموع لأن الله صدقنا وعده، وشفى صدور قومٍ مؤمنين، وانتقم لنا من الظالمين.

وأضاف:

إنها دموع الفرح والحمد لله أننا رأينا بأعيننا سقوط ذلك الطاغية المدعو خامنئي. كنا نرفع أيدينا إلى السماء وندعو الله أن ينتقم لنا من مرشد إيران خامنئي، ومن قادة فيلق القدس، ومن كل قادة إيران… والحمد لله أن الله استجاب لنا، وسلّط عليهم من لا يرحمهم ولا يرفق بهم؛ أولئك الذين تعاونوا معهم يومًا على قتلنا وتشريدنا في سوريا.

وفي طرف البلكونة، صرخ شاب بلكنة عراقية قائلاً:

ما بكم تتحدثون عن إيران هكذا؟

اقترب منا، وكان شابًا في الثلاثين من عمره. جلس إلى جوارنا وقال:

ليست سوريا وحدها ضحية إيران، ولا ضحية أطماعها وحقدها وطائفيتها وتوسع نفوذها… العراق أيضًا، منذ اثنين وعشرين عامًا، يذوق الويل تحت جرائم إيران.

ثم قال، وقد اغرورقت عيناه بالدموع:

تخيلوا معي… عشرات الآلاف من العراقيين في معتقلات إيرانية بصحراء الأنبار، يرفعون أيديهم كل يوم إلى السماء، يدعون الله أن ينتقم لهم من خامنئي ومن جميع قادة إيران ومليشياتها. واليوم… استجاب الله دعاءهم.

وفي تلك اللحظة تدخل شاب كان يجلس خلفنا، ورفع صوته قائلاً:

لقد قتله الأمريكان واليهود… فكيف تفرحون بمقتل مسلم؟

التفتُّ إليه، وطلبت من الجميع الصمت، وقلت له:

أخي… من أين أنت؟

قال:

أنا من لبنان.

قلت:

أهلاً بك أخي.

ثم قلت له:

سأجيب على سؤالك، لكن قبل ذلك دعني أسألك بعض الأسئلة.

قال: تفضل.

قلت له:

هل تؤمن أن الله يستجيب لدعاء المظلومين؟

قال: نعم.

قلت:

وهل تؤمن أن الله يمهل الظالمين ولا يهمل عقابهم؟

قال: نعم.

قلت:

وهل لديك يقين أن الله يستجيب للمظلومين وينتقم لهم؟

قال: نعم.

قلت:

إذا أنزل الله غضبه وانتقامه… فهل أنا أو أنت أو أي إنسان قادر على تحديد شكل غضب الله وانتقامه؟

قال: لا.

قلت:

إذن يا صديقي، ما يحدث اليوم لقادة إيران الطائفيين الظالمين، من قتلٍ جماعي وسقوط متتابع، هو غضب الله وانتقامه لملايين المظلومين. تلك إرادة الله… كتب نهايتها لمثل هؤلاء الطغاة.

تدخل الشاب اللبناني وقال:

وصدام حسين… أكان مقتله غضبًا من الله أيضًا؟

قلت له:

نحن نؤمن بالقدر، ونؤمن أن الموت حق، لكننا ندعو الله دائمًا بحسن الخاتمة.

صدام قُتل على يد أمريكا وإسرائيل وإيران مجتمعين…

لكن صدام – أحسن الله خاتمته – مات ميتة تحولت في ذاكرة الأمة إلى ذكرى سنوية، يذكره فيها مئات الملايين من المسلمين فيدعون له.

أما خامنئي ومن على شاكلته من قادة المليشيات، فقد ذهبت الأمة كلها تحتفل بمقتله… لا لأنها التفّت حول من قتله، بل لأنها أيقنت أن الله استجاب لدعاء الشعب السوري والعراقي واليمني واللبناني.

فقال الشاب اللبناني:

أنتم تستبدلون قائدًا مسلمًا بقائد كافر يهودي… تستبدلون نفوذ دولة إسلامية بهيمنة إسرائيل.

عندها تدخل الشاب الفلسطيني قائلاً:

اسمحوا لي أن أتكلم.

صمت الجميع.

قال:

أنا من غزة… قُتلت عائلتي كلها تحت القصف الإسرائيلي. بعد ذلك قررت مغادرة غزة إلى تركيا.

عندما وصلت تركيا، وبعد مشقة طويلة، وجدت سكنًا جماعيًا في شقة. وكان نصيبي أن أسكن في غرفة مع شابين؛ أحدهما من سوريا، والآخر من اليمن.

مع مرور الأيام تألفت قلوبنا… وأصبحنا كأننا أسرة واحدة.

ذات يوم، ونحن نتناول العشاء، سألني الشاب السوري – وكان اسمه أحمد –:

هل عائلتك ما زالت في غزة؟

صمتُّ قليلاً…

مرّ أمام وجهي شريط من مشاهد القصف الإسرائيلي على حيّنا. امتلأت عيناي بالدموع.

سارع أحمد قائلاً:

ما بك؟ يبدو أنني أعدت لك ذكريات موجعة.

رفعت رأسي وقلت:

عائلتي كلها استشهدت… ثلاثة وعشرون فردًا. قُتلوا جميعًا في قصف إسرائيلي، ولم ينجُ منهم أحد سواي.

عندها انفجر أحمد بالبكاء دون مقدمات، وكان بالكاد يستطيع أن يواسي الشاب الفلسطيني. ثم قال:

لست وحدك من فقد عائلته… أنا أيضًا فقدت عائلتي كلها. تسعة أفراد؛ أبي وأمي وإخوتي وجدتي. ولم ينجُ غيري.

سأله الفلسطيني:

بقصف إسرائيلي في سوريا؟

قال أحمد:

لا… بل بهجوم لمليشيات إيران ومجرمي فيلق القدس على مدينتنا في حمص.

اقتحموا حارتنا، وقتلوا كل من فيها؛ أطفالًا ونساءً وشبابًا وشيوخًا… وكنت أنا الناجي الوحيد من الحي كله.

ساد الصمت المكان… وعمّ الألم.

ثم قال أحمد:

التفتنا إلى الشاب اليمني، متعجبين من صمته. وجدنا وجهه قد احمر، ودموعه تنهمر كالمطر.

حاولنا مواساته، فقال لنا:

لا… قدري أيضًا معكم.

قلنا: كيف؟

قال:

أنا اسمي عبدالله.

أخي قُتل على يد مليشيات الحوثي في صنعاء. ثم اقتحموا منزلنا، واختطفوا أبي وأخي الكبير. وأثناء خروجهم حاول أخي الصغير اعتراضهم… فقتلوه أمامنا.

أمي ماتت قهرًا بعد ذلك… ولم يبقَ من العائلة غيري.

كنت مطاردًا… هربت من مدينة إلى أخرى، حتى تمكنت من الوصول إلى عدن. وهناك بدأت أشعر بشيء من الأمان… لكنني فوجئت بمطاردة من مليشيات الإمارات.

فقررت الهجرة.

خرجت عبر البحر إلى جيبوتي، ومنها إلى تركيا.

ساد الصمت مرة أخرى… وكأن على رؤوسنا الطير.

ثم قال الشاب السوري أحمد:

لقد جمعتنا غرفة واحدة… لا كأشخاص، بل كصدورٍ تحمل من القهر والأوجاع ما يهدّ الجبال.

جمعنا العدوان الصهيوني على غزة، والعدوان الإيراني على سوريا، ومليشيات الحوثي في اليمن.

وقال:

إنهم جميعًا قتلة… طغاة… مجرمون. تحالفوا يومًا على قتلنا، فقتلوا منا مئات الآلاف، بل الملايين، وشرّدوا الملايين.

واليوم… ردّ الله مكرهم بينهم، وجعل بأسهم بينهم، وانتقم لنا من بعضهم ببعض.

إنها سنة الحياة… وسنة العدالة.

والعدالة، حين تأتي، لا تسأل مفكري النخاسة السياسية عن حساباتهم، ولا تستأذن عقول المتاجرين بدماء الشعوب.

في تلك البلكونة الصغيرة لم يكن يجلس أربعة شبان فقط…

بل كانت تجلس أربع مآسٍ تختصر جغرافيا الدم في هذا الشرق المنكوب.

فلسطين التي ذبحتها آلة الاحتلال،

وسوريا التي مزقتها مخالب الطائفية،

والعراق الذي أنهكته الهيمنة والميليشيات،

واليمن الذي طحنته الحروب والانقلابات.

هناك فقط أدركت أن التاريخ لا يكتب دائمًا في قصور الساسة، ولا في بيانات الدول… بل يُكتب في صدور المظلومين.

وأن دعوة مظلومٍ واحدة قد تسافر عبر السنوات، وتعبر الحدود، وتصبر طويلًا… لكنها في النهاية تصل.

وعندما تصل،

لا تأتي على هيئة خطاب سياسي،

ولا على شكل بيانٍ دبلوماسي…

بل تأتي على هيئة قدرٍ يعيد ترتيب الطغاة بعضهم ببعض، ويجعل بأسهم بينهم شديدًا.

وهكذا تمضي سنن الله في الأرض…

حتى يعلم الطغاة، متأخرين دائمًا،

أن دماء المظلومين لا تضيع،

وأن التاريخ – مهما طال صمته –

ينطق أخيرًا… بصوت العدالة

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد