شهدت المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين كوارث إنسانية كبرى في سوريا والعراق واليمن وفلسطين، من قبل الكيان الصهيوني ونظام ولاية الفقيه في إيران وأذرعه الطائفية، خلّفت ملايين الضحايا ودمارًا واسعًا وآلامًا عميقة لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.
ومع ذلك، يكشف بعض الخطاب السياسي والإعلامي أحيانًا عن نزعةٍ انتقائية في التعامل مع هذه المآسي؛ إذ تُدان بعض الجرائم بوضوح وقوة، بينما تُختزل أخرى في إشارات عابرة أو إداناتٍ باهتة لا تعكس حجم الكارثة. وغالبًا ما يُستبدل النقاش حول الجرائم ذاتها بجدلٍ طائفي أو سياسي يطمس حقيقة المأساة الإنسانية.
لا فرق بين جرائم الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري والإيراني، وبين جرائم نظام ملالي إيران ضد شعوب المنطقة وإثارة النعرات، والتي تعدّت من حيث حجمها ودماؤها ونتائجها الكارثية ما عملته آلة القتل الصهيونية خلال عقود من الزمن.
إذ تثير هذه الانتقائية إشكالًا أخلاقيًا جوهريًا، يتمثل في اختلال معيار الحكم على العنف والظلم. فالقيمة الأخلاقية للدم الإنساني لا ينبغي أن تتغير تبعًا للانتماءات السياسية أو المذهبية أو للمصالح الآنية. وعليه، فإن أي خطاب يدّعي الدفاع عن العدالة أو التضامن مع الضحايا يفقد جزءًا كبيرًا من مصداقيته إذا تعامل مع مآسي متشابهة بمعايير مختلفة.
من هنا تبرز ضرورة التأكيد على أن الموقف الأخلاقي يسبق التحليل السياسي. فقبل الخوض في موازناتٍ استراتيجية بين خصوم أو تهديدات مختلفة في المنطقة، ينبغي الاعتراف الكامل بجميع الجرائم التي وقعت، وبالمعاناة التي عاشتها المجتمعات المتضررة، دون تقليل أو تجاهل. إن إغفال آلام بعض الضحايا أو اختزالها لا يؤدي فقط إلى تشويه الحقيقة التاريخية، بل يضعف أيضًا الثقة في التحليلات السياسية اللاحقة.
وعلى هذا الأساس يمكن التمييز بين خطابين: خطابٍ حافظ على اتساقه الأخلاقي وأدان المآسي كافة بوضوح، وخطابٍ اتسم بالانتقائية أو الصمت تجاه بعضها. الأول يمكن الإصغاء إليه حتى عند الاختلاف معه في تقديراته السياسية، لأنه ينطلق من معيار إنساني ثابت. أما الثاني، فإن تحليلاته تبقى موضع شك، لأن اختلال الميزان الأخلاقي ينعكس غالبًا على طبيعة استنتاجاته.
إن وضع جميع الوقائع على الطاولة، والاعتراف الكامل بحجم المآسي التي شهدتها المنطقة، هو الشرط الأول لنقاشٍ جاد حول مستقبلها. فالمعيار الأخلاقي لا يتجزأ، وأي محاولة لتجميل خطاب سياسي عبر تجاهل بعض الدماء لا يمكن أن تؤسس لفهمٍ صادقٍ أو لموقفٍ عادل.