قراءة في واقع الجرحى وأسر الشهداء
يبدو المشهد، في علاقته بالجرحى وأسر الشهداء، مشهدًا متشظيًا بين نصوص قانونية تنام على الرفوف، وخطاب يمجّد التضحية في المناسبات، وواقع يومي يخنق المستحقين تحت وطأة الإهمال المزمن.
منذ أكثر من ثلاثة عقود، صدر القانون رقم (5) لسنة 1993م، الذي كان يهدف إلى توفير مظلة حماية ورعاية لأسر الشهداء ومناضلي الثورة. غير أن هذا النص التشريعي ظل أسيرًا لبنية تنفيذية هشّة، وميزانيات شبه غائبة، ومؤسسات فقدت مبررات وجودها الوظيفي. فتحول القانون من أداة ضمان إلى دليل إدانة، ومن نص ناظم إلى شاهد صامت على تقادم الوعود.
هذا الإشكال القانوني لم يقتصر على جوانبه التنفيذية، بل امتد إلى خلق حالة من الازدواجية المؤسسية: خطاب إعلامي يعلي من قيمة التضحية، وسياسة حكومية تتجاهل تداعياتها الإنسانية. فالشهيد يتحول إلى أيقونة في الذكرى السنوية، فيما تتحول أسرته إلى مجرد ملف في الأدراج.
وفي هذا السياق، تبرز شهادة إحدى أرامل الشهداء معبرة عن هذه الفجوة:
"كان زوجي بطلاً في الإعلام، أما نحن فصرنا أرقامًا في ملفات النسيان."
مقابل جمود النص القديم، يبرز مشروع قانون جديد يهدف إلى إنشاء هيئة وطنية لرعاية الجرحى وأسر الشهداء، تتسم بالاستقلال المالي والإداري، لكنه لم يرَ النور، وربما يواجه اعتراضات تبدو غير متناسبة مع الهدف الإنساني، الأمر الذي يضع علامات استفهام ويثير تساؤلًا جوهريًا عن القيمة الحقيقية التي تحتلها هذه الفئة في سلم الاهتمام الرسمي.
إن مسألة رعاية الجرحى وأسر الشهداء، في جوهرها، اختبار أخلاقي لدولة ما زالت تبحث عن صيغة عادلة للوفاء لمن قدموا أرواحهم وأشلاء غالية من أجسادهم فداء للوطن. إنها ليست قضية منحة أو إحسان، بل هو استحقاق قانوني وإنساني يمس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة، وبين التضحية والتكريم.
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يجد الدم اليمني أخيرًا من يحفظ كرامته في نصوص قانونية قابلة للحياة، أم يظل رهينة خطاب المناسبات وبرود المؤسسات؟
الأكيد أن الإجابة ستظل رهن موقف واضح وحاسم، لا يحتمل التأجيل ولا يقبل الالتفاف.