الحديث عن عقلانية مليشيات الحوثي واحتمال بقائها خارج الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران حديث يفتقر إلى الواقعية، ولا ينسجم مع طبيعة الاستراتيجية التي تدير بها إيران صراعاتها الإقليمية. فطهران، تاريخيًا، لا تخوض معاركها منفردة، بل عبر شبكة واسعة من الأذرع العسكرية المنتشرة داخل إيران وخارجها، من بينها حزب الله في لبنان ومليشيات الحوثي في اليمن وفصائل أخرى في العراق وسوريا.
الواقعية السياسية والعسكرية تقول إن إيران، حين تدخل مواجهة كبرى، تستخدم كامل منظومة نفوذها، بحيث تتحول هذه الأذرع إلى جزء من معركة واحدة متعددة الجبهات.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة الأخبار اللبنانية عن قيادي في المجلس السياسي لمليشيات الحوثي تأكيده أن الجماعة تُعد جزءًا من “محور عمليات المقاومة” إلى جانب إيران في هذه الحرب. هذا التصريح يعكس بوضوح أن المليشيات ترى نفسها ضمن منظومة عسكرية وسياسية واحدة، وأن المهام الموكلة لأطراف هذا المحور تُدار وفق حسابات الميدان والمتغيرات العسكرية.
ومن المرجح أن الخطط العملياتية التي تُدار عبر غرف تنسيق مشتركة تحدد توقيتات التصعيد أو المشاركة الهجومية وفق معطيات المعركة، وليس وفق قرارات منفصلة لكل طرف. أما من حيث الاستعداد العسكري والانتشار الميداني، فتشير المعطيات إلى أن مليشيات الحوثي نفذت بالفعل عددًا من الإجراءات المرتبطة بمرحلة التحضير، من بينها:
• نشر راجمات الصواريخ في مواقع مختلفة.
• إعادة توزيع القوات على محاور الجبهات.
• الانخراط المكثف في المعركة الإعلامية.
• تعزيز الانتشار العسكري على سواحل البحر الأحمر.
وتدرك إيران أن إحدى ساحات المواجهة المهمة بالنسبة لها تقع جغرافيًا في اليمن، بحكم موقعه المطل على البحر الأحمر وقربه المباشر من المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
ومن هذا المنظور، فإن تحريك الجبهات في اليمن — سواء باتجاه الساحل الغربي أو مأرب أو تعز أو حتى الجنوب — يمكن أن يتحول إلى عنصر ضغط استراتيجي في حسابات طهران، لأنه يفتح جبهة برية واسعة على حدود المملكة.
خطورة هذه الجبهة لا تقل عن خطورة الهجمات الصاروخية أو الهجمات بالطائرات المسيّرة؛ فنجاح إيران في تعزيز نفوذها العسكري داخل اليمن قد يترتب عليه توسيع نطاق التهديد الإقليمي. إذ إن السيطرة على الجغرافيا اليمنية تعني إمكانية تهديد خطوط الملاحة في البحر الأحمر، وفتح جبهات ضغط متعددة على دول الخليج.
وفي سيناريو التصعيد الواسع، قد تتشكل معادلة إقليمية تقوم على تعدد الجبهات:
من العراق باتجاه الكويت وشمال المملكة، ومن اليمن باتجاه جنوب المملكة وربما باتجاه سلطنة عمان، وهو ما يخلق طوق ضغط جغرافي يمتد عبر أكثر من محور.
مثل هذا السيناريو — إن تحقق — قد يفتح الباب أمام محاولات إيرانية لتوسيع نطاق نفوذها عبر أدواتها العسكرية، بما يجعل المواجهة الإقليمية أكثر تعقيدًا واتساعًا.
المسألة لا تتعلق بقرار منفرد لمليشيا هنا أو هناك، بل ببنية استراتيجية أوسع تعتمدها إيران في إدارة الصراع عبر شبكة من الأذرع المتعددة. ولذلك فإن قراءة المشهد تقتضي النظر إلى اليمن بوصفه جزءًا من معادلة أمن إقليمي أشمل، لا مجرد ساحة محلية منفصلة عن بقية الجبهات.