السودان ليس دولة عابرة في تاريخ هذه المنطقة، بل بلدٌ عميق الجذور في حضارته وثقافته وإرثه الديني والإنساني. السودان الذي عُرف بسمرة أرضه وصفاء قلوب أهله، ظل عبر تاريخه جزءًا أصيلًا من الضمير العربي والإسلامي.
لكن ما نشهده اليوم هو محاولة إماراتية للتبجح السياسي على السودان وشعبه، في وقتٍ تعيش فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا.
المفارقة أن الإمارات، التي تتعرض لهجمات وضغوط إقليمية قاسية، لا تجرؤ حتى على التفكير بالرد على إيران، لكنها في المقابل تمارس استعراض القوة على دول وشعوب عربية شقيقة: في السودان، وفي اليمن، وفي ليبيا. وكأن قيادة أبوظبي ترى أن فرض النفوذ على هذه الدول هو المساحة الوحيدة التي يمكنها من خلالها تسويق مشروعها السياسي لإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية محمد بن زايد.
ولم يعد خافيًا أن بعض القرارات الدولية المتعلقة بالسودان — ومنها قرار تصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية — جاءت نتيجة ضغوط وتمويل سياسي إماراتي، في إطار محاولة رسم مستقبل السودان بما يتوافق مع حسابات أبوظبي.
غير أن المنطقة اليوم تمر بمرحلة مختلفة تمامًا.
فإيران، بقوتها ونفوذها، فرضت على دول المنطقة مراجعة سياساتها، ودفعت نحو معادلة استراتيجية جديدة تقوم على تخفيف الصراعات والبحث عن استقرار إقليمي أوسع.
في مثل هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة أمام دول الخليج لإعادة ترتيب أولوياتها، والعمل على لملمة الصف العربي بدل الدفع بسياسات الصراع والمؤامرات التي تستهدف شعوبًا عربية شقيقة، وفي مقدمتها السودان واليمن.
ومع ذلك، تصر الإمارات على الاستمرار في هذا النهج، وكأنها لم تدرك بعد أن المنطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من المغامرات السياسية.
الحروب الجارية اليوم أكبر من حسابات أبوظبي، وتداعياتها ستفرض واقعًا جديدًا في المنطقة. وفي ظل هذه التحولات، لن تستطيع أي دولة أن تبقى معزولة عن محيطها العربي أو أن تواصل إدارة السياسة بمنطق الهيمنة على الآخرين.
السعودية، التي تتحمل العبء الأكبر في الحفاظ على استقرار المنطقة، تدرك اليوم — وفي خضم هذه التطورات — حجم المخاطر التي تخلقها السياسات الإماراتية أكثر من أي وقت مضى.
أما الشعوب، فهي تدرك قبل غيرها أن الظلم لا يدوم.
التاريخ مليء بقصص القوى التي ظنت أن نفوذها دائم، لكنها سقطت حين تجاوزت حدودها.
وإذا كان الله قد سلّط على علي خامنئي من يواجه مشروعه بعد الجرائم التي ارتكبتها إيران في سوريا واليمن استجابةً لدعاء المظلومين، فإن عدالة السماء لا تتغير.
فدعاء المظلومين في السودان واليمن وليبيا وسوريا لا يضيع.
وحسابات الله تبقى دائمًا فوق حسابات البشر.