المأزق القادم ليس عسكرياً: هو مأزق تعريف النصر. كل طرف دخل الحرب بتعريف مختلف للانتصار، وهذا التباين هو بالضبط ما سيُعقِّد الخروج منها.
أولاً: المأزق الأمريكي
واشنطن أعلنت هدفاً: تفكيك البرنامج النووي وقطع سلاسل الوكلاء. لكن حتى لو تحقق الأول جزئياً، هل تستطيع التحقق من اكتمال تدميره؟ التجربة العراقية 2003 ماثلة: أُعلن النصر وكان الفصل الأصعب لا يزال أمامهم. الأمريكيون يريدون الخروج بإعلان انتصار، غير أن مأزقهم الحقيقي يظل تقنياً استخباراتياً: التحقق من اكتمال تدمير القدرة النووية دون احتلال الأرض.
ثانياً: المأزق الإسرائيلي
تل أبيب تريد تغيير النظام، وهذا ما لن تمنحه إياها واشنطن. الفجوة بين التعريف الإسرائيلي للنصر (إسقاط الجمهورية الإسلامية) والتعريف الأمريكي (تغيير السلوك) ستُصبح أزمة تحالف لا مجرد خلاف تكتيكي. إسرائيل ستجد نفسها أمام خيار مرير: القبول بنصر أمريكي لا يكفيها، أو المضي منفردةً بكلفة لا تحتملها.
ثالثاً: المأزق الإيراني
النظام الإيراني يواجه معضلة، وهي القبول بأي تسوية تبدو له بداية النهاية المتأخرة لا حلاً. هذا بالضبط ما يجعل إيران تُفضِّل الصمود الطويل حتى على صفقة تحفظ ماء الوجه، لأنها تعتقد أن كل صفقة هي خطوة نحو الاستسلام التدريجي. والأنظمة التي تعتقد ذلك تصمد أطول مما يتوقعه خصومها. عقيدة بقاء النظام. هذه العقيدة تجعل النظام يفضّل: العقوبات على السقوط، والحرب الطويلة على الاستسلام.
وهذا ما فعلته: كوريا الشمالية، كوبا، فيتنام.
المأزق الجوهري: “اليوم التالي”
حتى لو تحقق كل هدف معلَن، من يملأ الفراغ؟ إيران بلد يقترب من 100 مليون نسمة، بجغرافيا استراتيجية لا يمكن تجاهلها، وبمجتمع لن يقبل الانتداب. أمريكا تعرف هذا من أفغانستان والعراق معاً، وهي ليست مستعدة لتكرار التجربة. هذا الفراغ هو الفخ الحقيقي الذي تقود إليه الحرب إذا “نجحت”.
خلاصة:
المأزق القادم هو لحظة يُعلَن فيها وقف إطلاق النار، وتكتشف جميع الأطراف أن لا أحد يعرف كيف يُعرِّف ما حدث. أمريكا ستُسمِّيه “نجاحاً في تفكيك البرنامج”، وإسرائيل ستقول “لم يكتمل” إذا لم تستطع تغيير النظام، وإيران ستقول “صمدنا”، والنظام سيبقى بشكل أو بآخر. الجميع سيُعلن النصر، ولا أحد سيكون قد انتصر.