إن الأحداث المتسارعة للحرب الدائرة في المنطقة، والاعتداءات الإيرانية المباشرة على دول الخليج، تفتح أمام مجلس القيادة الرئاسي أبوابًا واسعة لاستقطاب دعم سياسي وعسكري واقتصادي غير مسبوق، يمكن أن يشكّل نقطة تحول حاسمة في معركة استعادة الدولة اليمنية وتحريرها من الهيمنة الإيرانية وأداتها المتمثلة في مليشيات الحوثي.
فالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت الرياض والكويت والمنامة والدوحة وأبوظبي، لم تعد مجرد وقائع عسكرية عابرة، بل تحولت إلى دليل استراتيجي قاطع على طبيعة المشروع الإيراني التوسعي، وخطورته المباشرة على أمن واستقرار دول الخليج والمنطقة بأكملها.
هذه الهجمات وحدها كفيلة بإعادة تشكيل الوعي الإقليمي والدولي، ودفعه نحو تبني مقاربة أكثر حزمًا في مواجهة النفوذ الإيراني، وفي مقدمة ذلك دعم الشرعية اليمنية لاستعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي.
لقد بات المحيط الإقليمي والدولي اليوم يمتلك قناعة راسخة – بل معززة بالأدلة الميدانية – بأن إيران لا تبحث عن شراكات أو توازنات، بل عن توسيع النفوذ وفرض الهيمنة، حتى على الدول التي اعتقدت يومًا أنها تمتلك علاقات استراتيجية معها.
إن الاعتداءات الإيرانية الأخيرة رسّخت المخاوف الخليجية من هذا المشروع التوسعي أكثر مما كنا نأمل، وكشفت بوضوح أن سياسة المهادنة أو الرهان على التفاهمات الجزئية لم تعد مجدية، بل قد تكون مكلفة وخطيرة.
وبهذا المعنى، فإن كل هذه المتغيرات – السياسية والعسكرية والنفسية – تمثل أرضية خصبة ومهيأة بالكامل لجلب دعم شامل للشرعية اليمنية، ليس فقط بوصفه خيارًا سياسيًا، بل كضرورة أمنية إقليمية لا تحتمل التأجيل.
وأمام هذه اللحظة التاريخية التي تكاد تشكل حالة إجماع غير مسبوقة على دعم تحرير اليمن، نجد – وبأسف بالغ – أن واقع تحركات القيادة اليمنية لا يعكس حجم هذه الفرصة، بل يبدو بعيدًا عنها على مختلف المستويات: السياسية، والعسكرية، والأمنية، وحتى الاقتصادية.
إن هذه المتغيرات تفرض على مجلس القيادة الرئاسي الانتقال الفوري من حالة التردد إلى حالة الجاهزية القصوى، عبر إعداد خطط عسكرية واضحة ومتكاملة لتحرير صنعاء، وإنهاء كل أشكال النفوذ الخارجي المعرقل لاستعادة الدولة، وفي مقدمتها التدخلات التي قيدت القرار الوطني وأربكت مسار المعركة.
لقد سقطت – بفعل الواقع الجديد – معظم المبررات والمخاوف التي كانت تُطرح لتأجيل معركة التحرير، وفتحت أمام القيادة اليمنية نافذة تاريخية لا يمكن لأي قيادة مسؤولة أن تسمح بإغلاقها دون استثمارها.
فاليوم، لم يعد تحرير اليمن مطلبًا وطنيًا فحسب، بل تحول إلى ضرورة أمنية ملحّة لدول الخليج، وإلى ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الاستراتيجي في المنطقة.
غير أن هذه الفرصة تصطدم بواقع داخلي مأزوم، حيث ما تزال القيادة اليمنية منشغلة بصراعات جانبية، ومماحكات ضيقة، وتناقضات تعكس حالة من الانقسام البنيوي وضعف الرؤية الاستراتيجية، وهو ما يقدّم صورة غير مسؤولة عن قيادة يفترض أنها تقود معركة مصيرية بهذا الحجم.
إن هذه المتغيرات لا تدعم فقط استعادة الدولة، بل تفرض أيضًا إعادة ترتيب البيت الداخلي، وفي مقدمة ذلك:
• توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة.
• إنهاء حالة التعدد والازدواجية في التشكيلات المسلحة.
• إغلاق ملفات الصراعات البينية التي استنزفت الجهد الوطني.
• توحيد القرار السياسي والعسكري ضمن رؤية استراتيجية واضحة.
فكل ذلك لم يعد شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبح – في نظر دول الجوار – ضرورة أمنية مشتركة، ترتبط مباشرة باستقرار المنطقة ككل.
ويبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن للشرعية اليمنية أن تتعامل مع هذه المتغيرات؟
حتى هذه اللحظة، لا نجد مؤشرات حقيقية على وجود تحركات أو خطط تتواكب مع حجم التحولات الإقليمية، ولا خطوات تعكس استيعابًا عميقًا لتداعيات الحرب والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
حتى المملكة العربية السعودية – وهي الأكثر إدراكًا لحجم التهديد – تبدو اليوم في حاجة ماسة إلى شريك يمني قوي وموحد، يكون جزءًا من معادلة المواجهة، لا عبئًا إضافيًا عليها. لكنها، في الواقع، تجد نفسها أمام قيادة متناثرة، ورؤى متباينة، وأداء يفتقر إلى الحد الأدنى من التكامل.
وقد تكون السعودية اليوم أكثر إدراكًا للنتائج السلبية لبعض سياساتها السابقة في الملف اليمني، لكنها في المقابل لا تجد قيادة يمنية متماسكة تستطيع العمل معها بفاعلية لتصحيح المسار، وهو ما يضعها أمام عبء ثقيل، ويدفعها للتدخل حتى في التفاصيل الصغيرة لإدارة المشهد.
إن ضعف القيادة، واستمرار الانقسام، لم يقتصر أثره على الداخل اليمني، بل امتد ليشكل عبئًا استراتيجيًا على الحلفاء، ويحدّ من طموحات قوى وطنية فاعلة داخل الشرعية، ويغذي محاولات إقصاء شركاء أساسيين في معركة التحرير، وهو ما يهدد بتفريغ أي مشروع وطني من مضمونه الحقيقي.
إننا أمام لحظة فارقة في تاريخ اليمن والمنطقة… لحظة تتقاطع فيها الإرادة الإقليمية مع الحاجة الوطنية، وتتوفر فيها كل مقومات الحسم السياسي والعسكري.
لكن هذه اللحظة، بكل ما تحمله من فرص، قد تتحول إلى خسارة تاريخية جديدة إذا استمرت القيادة اليمنية في حالة التردد والتشظي وغياب الرؤية.
فإما أن ترتقي القيادة إلى مستوى هذه الفرصة، وتتحول إلى شريك فاعل في معركة استعادة الدولة،
وإما أن تترك هذه اللحظة تمر، لتُضاف إلى سجل طويل من الفرص المهدرة…
والتي يدفع اليمنيون ثمنها دمًا، وتدفع المنطقة ثمنها أمنًا واستقرارًا.
والتاريخ – كما هو دائمًا – لا يرحم من يضيّعون لحظات الحسم.. كما لا يرحم القيادة الضعيفة لأنها كانت مصدر الهزيمة ..