ي الحالة اليمنية، لا يمكن فهم تصاعد الخطاب الانفصالي أو تراجعه بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه اليمن منذ سنوات: دولة منهكة، اقتصاد متآكل، ومجتمع مثقل بالصراعات والانقسامات، لكن الأخطر من كل ذلك هو التحول في الوعي الجمعي لدى بعض الفئات، حيث غلبت العاطفة المشحونة على التفكير العقلاني، وأصبح الهدم أسهل من البناء، والشعارات أعلى صوتا من الحقائق..
لقد نشأت بعض الدعوات الانفصالية في الجنوب، خصوصا مع صعود كيانات بدأت بالحراك وانتهت بالمجلس الانتقالي الجنوبي، على خلفية مظالم تم استغلالها سياسيا، غير أن هذه المطالب، التي كان يمكن أن تناقش ضمن إطار وطني جامع، تحولت لدى البعض إلى مشروع قطيعة شاملة مع الدولة، لا يميز بين إصلاحها وتقويضها. وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لمجتمع أن يسعى إلى تفكيك الكيان الذي يمنحه الاعتراف الدولي والهوية القانونية؟
اليمني اليوم يسافر بجواز اليمن، ويتعامل بعملتها، ويعرف في المحافل الدولية باسمها، ومع ذلك، نجد خطابا يجرم هذه الدولة ويصورها كعدو مطلق. هذه الازدواجية ليست مجرد تناقض سياسي، بل هي حالة من الاضطراب في الوعي، حيث يتم تجاهل حقائق القوة لصالح أوهام الانفصال السريع أو الخلاص الآني..
إن أخطر ما في هذا المسار هو معاداة عناصر القوة الحقيقية التي تتمثل بوحدة المجتمع، مهما كانت هشة، فهي تظل قاعدة للاستقرار السياسي والاقتصادي الذي لا يمكن أن يبنى على كيانات متنازعة ومجزأة..
تحت تأثير الشحن العاطفي، تحول البعض إلى خصوم لهذه الركائز وتم تصوير الوحدة كعبء، والاقتصاد المشترك كقيد، والدولة كخصم، بينما أغفل حقيقة أن البديل ليس بالضرورة أفضل، بل قد يكون أكثر هشاشة وارتهانا للخارج وهذا ما هو حاصل على أرض الواقع..
العالم اليوم أقل حماسة لمشاريع التقسيم، وأكثر تمسكا باستقرار الدول القائمة، خاصة في مناطق مضطربة. وهذا ما يفسر تراجع أو جمود كثير من الحركات الانفصالية عالميا من كتالونيا في أسبانيا مرورا بجبهة البوليساريو في المغرب نزولا عند كردستان في العراق، والانفصاليون في اليمن يعيشون في غيبوبة معزولين عن العالم..
الحالة اليمنية، إذا، ليست مجرد أزمة سياسية، بل أزمة وعي، هناك انقطاع بين الشعور بالظلم — وهو شعور مشروع — وبين طريقة التعبير عنه، فبدلا من أن يتحول إلى مشروع إصلاحي عقلاني، انزلق إلى خطاب عدمي يهدم ما تبقى دون أن يقدم بديلا قابلا للحياة..
إنها دعوة لمراجعة الذات قبل رفع الشعارات، ولتغليب العقل على العاطفة، وللتمييز بين نقد الدولة — وهو حق — وتدميرها — وهو انتحار جماعي بطيء، فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل إلى وعي يعيد تجميع ما تفرق، ويحول الغضب إلى طاقة بناء، لا معول هدم..