إن العلاقات اليمنية–السعودية ليست مجرد علاقات قائمة على تبادل المصالح أو تقاطع الملفات السياسية، بل تتجاوز ذلك إلى رابطة استراتيجية ذات طابع وجودي، تفرضها الجغرافيا، ويؤكدها التاريخ، وتثبتها ضرورات الأمن القومي المشترك.
وقد عبّرت عن هذا المعنى بوضوح المواقف الشعبية التي شهدتها مأرب وتعز، حيث تجلّت القناعة بأن أمن اليمن وأمن المملكة يشكلان معادلة مترابطة لا يمكن فصل أحد طرفيها عن الآخر.
إن اليمن الموحد، القوي، القائم على مؤسسات الدولة، وبسط سلطتها على كامل أراضي الجمهورية، لم يعد مطلبًا وطنيًا يمنيًا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لأمن المنطقة، ولأمن المملكة العربية السعودية بصورة خاصة.
فلا يمكن تصور استقرار حقيقي للمملكة أو للخليج في ظل يمن ممزق، أو دولة مختطفة بيد المليشيات، أو جغرافيا مفتوحة أمام مشاريع النفوذ الخارجي.
وبالمقابل، فإن بقاء المملكة العربية السعودية قوية وفاعلة في محيطها الإقليمي يمثل حاجة ضرورية لاستقرار اليمن ووحدته، لما تملكه من ثقل سياسي، وقدرة استراتيجية على التأثير في معادلات الأمن والاستقرار في المنطقة.
ومن هذا المنظور الاستراتيجي، ننظر إلى المملكة بوصفها ركيزة أساسية في توازن الإقليم، وقوة محورية في مواجهة مشاريع الفوضى والتفكيك.
كما ننظر – بالقدر ذاته من الوضوح – إلى بقاء اليمن رهينة للمليشيات، والنفوذ الإيراني، والتدخلات التي أربكت المشهد الوطني، باعتباره تهديدًا مباشرًا لوحدة اليمن، وتهديدًا صريحًا للأمن القومي السعودي ولأمن المنطقة بأسرها.
إن التحالفات القادمة من خارج الإقليم، سواء في صورتها الإيرانية وأذرعها المنتشرة في المنطقة، أو في أي تحالفات تُبنى على حساب استقرار الدول العربية ووحدتها، تمثل خطرًا وجوديًا على دول الجزيرة العربية، وعلى الدول المطلة على البحر الأحمر.
فما يجري اليوم من هجمات إيرانية وتصعيد عسكري لا يمكن قراءته بمعزل عن طموحات مشروع النفوذ الإيراني، الذي يسعى إلى فرض معادلات جديدة في المنطقة عبر أدواته العسكرية والسياسية.
إن المعركة الدائرة اليوم ليست مجرد تطور عسكري آني، بل تعبير واضح عن صراع إرادات ومشاريع نفوذ، يستهدف أمن الخليج، ويضع المنطقة أمام تحديات غير مسبوقة.
ومهما كانت مآلات الحرب الراهنة بين المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني، فإن الثابت أن المنطقة العربية هي من تتحمل الكلفة الأكبر، ما لم تبادر إلى بناء موقف موحد ورؤية استراتيجية شاملة.
إن اللحظة الراهنة تفرض على الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج، الانتقال من ردود الفعل إلى صياغة استراتيجية عربية موحدة، تقوم على حماية الأمن القومي العربي، وصون سيادة الدول، ومواجهة كل المشاريع التي تستهدف تفكيك المنطقة أو تحويلها إلى ساحات نفوذ وصراعات بالوكالة.
إن أمن الخليج، ووحدة اليمن، واستقرار البحر الأحمر، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في منظومة أمنية واحدة.
وأي خلل في إحدى هذه الحلقات سينعكس بالضرورة على الجميع.
ولهذا، فإن بناء رؤية عربية استراتيجية مشتركة لم يعد خيارًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة وجودية لمواجهة المخاطر التي تهدد دول الخليج والعالم العربي بأسره.