لم تكن حملات الإساءة والتحريض الممول مجرد تجاوزات إعلامية أو خصومات سياسية يمكن تجاوزها، بل كانت – وما تزال – جزءًا أصيلًا من المعركة التي استهدفت القوى الوطنية ومؤسسات الدولة والقوات المسلحة.
لقد شكّل التحريض الممنهج أحد أخطر الأسلحة التي استخدمتها قوى التمرد ومليشياتها، إذ لم تكن المعركة تُخاض بالسلاح وحده، بل كانت تُدار بالتوازي عبر حرب وعي وتشويه ممنهجة.
فمع كل رصاصة كانت تُطلق ضد الجيش في صعدة، كانت تصاحبها حملات منظمة من التشويه والتضليل والإساءة، تستهدف الجيش وقياداته، وتسعى إلى تقويض الثقة الشعبية به، وضرب شرعيته الوطنية والمعنوية.
هذا النهج لم يتوقف عند تلك المرحلة، بل ما يزال حتى اليوم يشتد ضراوة في استهداف القوى السياسية، والقيادات الوطنية، والعسكرية، والأمنية.
ويعتمد هذا المسار على ضخ كميات هائلة من المعلومات المضللة، وإدارة آلية تسويق واسعة الانتشار، تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام، وإرباك المجتمع، وخلق بيئة خصبة للفتنة والانقسام.
وفي أحداث تمرد صعدة، تصدرت مؤسسة الشموع للصحافة والإعلام معركة المواجهة الفكرية والإعلامية دفاعًا عن الجيش والقيادات الوطنية، وتحملت مسؤولية تأصيل الوعي بخطورة التمرد الحوثي وتداعياته على اليمن والمنطقة.
لقد كانت مؤسسة الشموع في طليعة الأصوات التي حذّرت مبكرًا من مخاطر تمدد النفوذ الإيراني في اليمن والخليج، ومن تحوّل هذا المشروع إلى تهديد وجودي للأمن القومي العربي.
وفي عام 2003، نشرنا دراسة منهجية قارنت بين مخاطر الأطماع التوسعية للمشروع الإيراني ذي الطابع الطائفي، ومشروع الاحتلال الصهيوني، وخلصت الدراسة حينها إلى تحذير واضح من دوائر التمدد المذهبي وتداعياتها في إشعال الحروب الداخلية.
وأكدنا في تلك الدراسة أن ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه في إشعال الحروب الداخلية داخل الدول العربية، فإن إيران ستسعى إلى تحقيقه عبر أدواتها، مستفيدة من الانقسامات، وتوظيف البعد الطائفي والمليشياوي.
واليوم، وبعد كل ما شهدته المنطقة، تتأكد صحة تلك القراءة بصورة أكثر وضوحًا.
ولهذا، أقولها بوضوح للجميع:
إن استمرار حملات التضليل الممنهجة، وحملات التحريض السياسي، يمثل التهديد الحقيقي لوحدة الصف الوطني، وهو العامل الأخطر في إعاقة أي تقدم نحو توحيد الجبهة الداخلية ولمّ شتات القوى الوطنية.
وفي مرحلة ما بعد تحرير عدن، اتخذت بعض القوى الإقليمية – وفي مقدمتها الإمارات – من سياسة التضليل الإعلامي واستهداف القوى السياسية الفاعلة منهجًا لإعادة تشكيل المشهد، خصوصًا في مواجهة قيادات المقاومة والقوى الوطنية المؤثرة.
وقد استُخدمت حملات تحريض وتضليل واسعة النطاق، كانت محصلتها اغتيال واستهداف عدد كبير من القيادات السياسية، والفكرية، والتربوية، وعلماء الدين، وخطباء المساجد.
لقد أصبح “الإرهاب” عنوانًا فضفاضًا، دفع اليمنيون – وما يزالون – ثمن توظيفه السياسي بحرًا من الدماء.
كما استخدمت مليشيات الحوثي هذا الشعار ذاته لإحراق المدن والمديريات، واعتقال عشرات الآلاف، تحت يافطة “الحرب على الإرهاب”، في حين كان الهدف الحقيقي هو تصفية الخصوم وإخضاع المجتمع بالقوة.
ومثل هذه الممارسات لا يمكن أن تُنفذ بمعزل عن تمهيد إعلامي ونفسي واسع، إذ يسبقها دائمًا سيل كثيف من حملات التضليل، تُدار عبر شبكات توزيع واسعة، تعمل على ترهيب المستهدف، وإرباك الوعي المجتمعي، وتهيئة الرأي العام لتقبل الجريمة أو الصمت عنها.
إن التحريض الممنهج لم يعد مجرد خطاب عدائي، بل أصبح سلاحًا استراتيجيًا في تفكيك الدولة وتمزيق النسيج الوطني.
فالكلمة المضللة قد تسبق الرصاصة،
والمنشور المحرّض قد يكون مقدمة لاغتيال،
والتشويه المنظم قد يكون أخطر من المواجهة المباشرة.
إن حماية المجتمع والدولة تبدأ من مواجهة هذا المسار، وتجريم أدواته، ومحاسبة مموليه ومحرضيه، لأن الصمت عن التحريض هو صمت عن نتائجه…
وأول نتائجه الدم، والفوضى، واغتيال الوطن.