إن تظاهرات المجلس الانتقالي في عدن، واقتحام مباني المؤسسات الحكومية، والاعتداء على فعاليات التضامن مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج في مواجهة العدوان الإيراني وأذرعه، في كلٍّ من المكلا وسيئون، لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثًا متفرقة أو ردود فعل عابرة، بل هي مشاهد متصلة تصنع صورة سياسية واحدة أمام الجميع.
هذه الصورة تؤكد – بوضوح متزايد – أن سياسة الاحتواء التي انتهجتها المملكة العربية السعودية في التعامل مع قيادات الانتقالي وشركاء الانقلاب، على حساب القضايا السيادية وحضور الدولة، كانت في كثير من جوانبها تسير في مسار غير صحيح، أو على الأقل لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة في تثبيت سلطة الدولة واستقرار المشهد.
إن ما جرى اليوم يبعث برسالة صريحة مفادها أن أدوات إدارة المشهد على الأرض ما تزال خاضعة بدرجة كبيرة لتأثيرات خارجية، وأن الإمارات ما تزال تمضي في توظيف نفوذها لإعادة تشكيل موازين القوى، بما يضعها في حالة تصادم غير مباشر مع التوجهات السعودية ومساعيها لإعادة ترتيب الساحة اليمنية.
فالأحداث المتلاحقة تؤكد أن أبوظبي لا تزال تتحرك بوتيرة عالية لإعادة تثبيت نفوذها، والعمل على إرباك أي مسار يعيد للدولة حضورها وهيبتها، أو يمنح الشرعية مساحة فعل حقيقية على الأرض.
وحين تُترك الفرص دون استثمار حاسم لاستعادة هيبة الدولة، فإن النتيجة الطبيعية هي مزيد من الفوضى، واتساع دائرة الانفلات، وتآكل سلطة المؤسسات.
وحين يُكافأ من يعتدي على الدولة، بدلًا من محاسبته، فإن الرسالة التي تصل إلى الجميع هي أن الجريمة السياسية والأمنية يمكن أن تمر دون كلفة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تزايد التمادي واتساع رقعة التجاوزات.
إن منطق الإفلات من العقاب لا ينتج استقرارًا، بل يصنع بيئة خصبة لتكرار الفعل ذاته بصورة أكثر جرأة وتنظيمًا.
وأحداث الأربعاء، إذا لم تُقرأ في سياقها السياسي الصحيح، وإذا لم يتم التعاطي معها بما يفرضه حجم خطورتها، فإن القادم سيكون – بلا شك – أكثر جرأة، وأكثر تصعيدًا، وربما أكثر خطورة مما يتوقع كثيرون اليوم.
إن تجاهل دلالات ما حدث، أو الاكتفاء بقراءته كحدث أمني محدود، سيكون خطأً سياسيًا جسيمًا.
فالمشهد الراهن ليس مجرد اضطراب ميداني، بل اختبار حقيقي لهيبة الدولة، ولمدى جدية القوى الإقليمية في دعم استقرار اليمن.
وإذا لم يُتخذ موقف واضح وحازم يعيد الاعتبار لسلطة الدولة، ويضع حدًا لسياسة العبث بالمؤسسات، فإن الأيام المقبلة قد تحمل مشاهد أكثر تصعيدًا، تتجاوز الاحتجاجات والاقتحامات إلى مراحل أكثر خطورة على الأمن والاستقرار.
إن ما حدث ليس نهاية المشهد… بل قد يكون بدايته