;
سيف محمد الحاضري
سيف محمد الحاضري

تعز بوصفها فكرة وطن ومعنى للجمهورية لا مجرد جغرافيا .. 352

2026-04-12 02:10:47

في التاريخ اليمني الحديث، يصعب أن تعثر على سلطة استقر لها الحكم، أو مشروع سياسي كُتب له النفاذ إلى مركز القرار، من دون أن تمرّ طريقه، بصورة أو بأخرى، عبر تعز.

shape3

فالأمر هنا لا يتعلق بمحافظة تُقاس بحدودها الإدارية أو بكثافتها السكانية فحسب، بل بكيان اجتماعي وثقافي تشكّل عبر الزمن بوصفه إحدى أهم الحواضن الجامعة لفكرة اليمن نفسها.

تعز ليست مجرد مكان؛ إنها، في الوعي الوطني، حالة تتجاوز الجغرافيا إلى المعنى.

هي من القلائل الذين استعصت هويتهم على الانغلاق في قوالب الجهوية والمناطقية، فلم تنكمش في إطار محلي ضيق، بل ظلت هويتها منفتحة على الوطن كله، حتى غدت تعبيرًا عن اليمن بوصفه مشروعًا جامعًا لا كتلًا متنازعة.

ولعل خصوصيتها التاريخية تتجلى في كونها كانت، في كل منعطف مفصلي، حاضرة لا كمتفرج بل كفاعل مؤسس.

حين سعت الإمامة إلى إخماد ثورة 1948، كانت وجهتها تعز، إدراكًا منها أن كسر الفكرة يبدأ بكسر الحاضنة التي تنتجها.

وحين انتصرت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، كانت تعز أحد أهم منابع الفكرة وروحها المحركة.

وحين انطلقت شرارة الرابع عشر من أكتوبر، كانت تعز أيضًا منطلق الوعي والامتداد البشري والسياسي.

وفي حصار السبعين، حين أوشكت صنعاء أن تختنق، جاء المدد من تعز، وكأنها في كل لحظة تاريخية تُستدعى لتؤدي دورها بوصفها خزان الجمهورية ورافعتها.

ولم يقتصر تأثيرها على اللحظة الثورية؛ فالصحوة الإسلامية وجدت في تعز أرضًا خصبة للانبثاق، كما خرجت منها الحركات القومية، وتأثر بها اليسار في مساره الفكري والتنظيمي. وحتى في تحولات السلطة الحديثة، كان حضور تعز واضحًا في تشكيل موازين القوة وصناعة لحظات الصعود السياسي.

إن ما يمنح تعز هذه المكانة ليس عدد السكان وحده، بل طبيعة مجتمع استطاع أن يتمدد بثقافته خارج أسوار الجهوية والمناطقية، متجاوزًا الانقسامات الضيقة، ليصبح في مراحل كثيرة عامل استقرار واتزان في التاريخ اليمني.

ولهذا، ففي معركة الجمهورية اليوم ضد بقايا الإمامة وأذرع إيران، يستحيل أن تجد جبهة على طول الجغرافيا اليمنية دون أن تجد فيها ضباطًا وجنودًا فاعلين من أبناء تعز.

فحضور تعز هنا ليس حضور عدد، بل حضور معنى؛ حضور الفكرة الجمهورية في صورتها الحية.

ومن هنا، فإن أي كيان سياسي أو مشروع يسعى إلى التقدم نحو قيادة اليمن، لا يمكنه أن يتجاوز هذه الحقيقة: لا قيادة وطنية ممكنة دون انسجام مع هوية تعز وكتلتها البشرية ورمزيتها الوطنية.

أما من يختار أن يجعل من تعز هدفًا للصراع، وأن يسعى إلى تفكيك جغرافيتها واختراق هويتها الجامعة بهوية ضيقة، فإنه في الحقيقة لا يحارب محافظة بعينها، بل يصطدم مع أحد أهم المعاني المؤسسة لفكرة اليمن الحديث.

لأن تعز، في جوهرها، ليست مجرد محافظة، بل ذاكرة جمهورية، وضمير وطني، وصيغة مقاومة دائمة لكل مشروع يسعى إلى اختزال الوطن في الجهوية أو السلالة أو المليشيا.

ولهذا، فإن التصالح مع تعز ليس تصالحًا مع محافظة فحسب، بل مع فكرة اليمن الكبير؛ كما أن استهدافها ليس استهدافًا لحدودها، بل محاولة للنيل من المعنى الوطني الكبير الذي ظلّت تحمله وتدافع عنه عبر مختلف مراحل التاريخ ومازالت تتصدر مشهد الدفاع عن الجمهوريةً اليمنية فكرا ومعنى يؤصّل لنظام جمهوري بأهدافه الستة..

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد