;
د. تركي القبلان
د. تركي القبلان

امتلك قادة “جيل التأسيس” في إيران جيل ما قبل مطلع الألفية ما يمكن وصفه بـ “التفويض المطلق”، ذلك الرصيد المزدوج المستمد من الشرعية الثورية والمرجعية الدينية العميقة في آنٍ واحد. وقد كان هذا الرصيد هو ا 325

2026-04-13 16:25:55

امتلك قادة “جيل التأسيس” في إيران جيل ما قبل مطلع الألفية ما يمكن وصفه بـ “التفويض المطلق”، ذلك الرصيد المزدوج المستمد من الشرعية الثورية والمرجعية الدينية العميقة في آنٍ واحد. وقد كان هذا الرصيد هو الذي أتاح للخميني أن يتجرع “كأس السم” ويوافق على وقف الحرب مع العراق دون أن يُعدّ ذلك انكسارًا في عيون قواعده. وفي هذا كشف تاريخي بالغ الدلالة: القائد القوي وحده هو القادر على تقديم التنازلات الكبرى، لأن رصيده الرمزي يحوّل الاستسلام الظاهر إلى قرار سيادي. غير أن هذه العلاقة بين الرصيد الشرعي والقدرة على التنازل تصحّ في السياق الثيوقراطي-الثوري تحديدًا، حيث تستمد السلطة شرعيتها من سردية أيديولوجية مقدسة لا من كفاءة أو توارث.

مع غياب هذا الجيل وجدت القيادة الحالية نفسها في حالة “انكشاف سياسي” حادة؛ إذ لا تمتلك الإرث التاريخي الذي يشفع لها أمام قواعدها المتشددة إن هي أقدمت على قرار “براغماتي” يحمل في ظاهره رائحة الانكسار. وعند هذه النقطة تحديدًا تتشكّل ما يمكن تسميتها “معادلة تساوي الاعتبارات”: حين يغيب الرصيد الشعبي والمؤسسي، تتساوى تكلفة القرار مع تكلفة اللاقرار. فخيار الاتفاق قد يُفضي إلى تمرد داخلي أو فقدان السيطرة على الأجنحة العقائدية، مع الإشارة إلى أن المنظومة الأمنية الإيرانية ليست كتلة متجانسة؛ ثمة تمايز جوهري بين التيار الاقتصادي-البيروقراطي المندمج مع بنى الدولة والمتضرر من العقوبات، والتيار العقائدي الصرف الذي لا يزال يرى في المواجهة هويةً لا خيارًا. في المقابل، خيار الاستمرار في الصدام يُفضي إلى استنزاف بنيوي قد ينتهي بالسقوط. هذه الحالة تُنتج ما يُعرف بـ “شلل القرار الاستراتيجي”، حيث يُفضّل القادة الانتظار أو الهروب إلى الأمام، لأن تحمّل مسؤولية انعطافة تاريخية قاسية يتجاوز ما يستطيع رصيدهم المحدود استيعابه.

هذا الشلل هو الذي يدفع نحو ما يمكن تسميته “استراتيجية الحافة” أو منطق التصعيد اللانهائي، الذي يتجلى في خطاب “إما النصر أو النهاية”. ففي غياب ما يمكن خسارته من رصيد أو مستقبل سياسي مستقر، يتحول السلوك الاستراتيجي إلى مقامرة “الكل أو لا شيء” عبر مسارين متلازمين: الرهان على تحقيق “منجز عسكري” أو “ردع نووي” يتحول إلى شرعية تراكمية جديدة تمنح الحق في التفاوض لاحقًا من موقع القوة؛ أو الانزلاق نحو خيارات انتحارية يُغري بها غياب البديل المضمون، لا سيما أن القيادات الأقل خبرةً تفتقر إلى “الحس التاريخي” الذي وازن لدى جيل التأسيس بين الأيديولوجيا وبقاء الدولة. ويبقى هذا النموذج ناجعًا في تفسير الديناميكيات الداخلية للقرار الإيراني، غير أن المتغير الخارجي (سواء في بُعده الضاغط كالتهديد العسكري المباشر، أو في بُعده التيسيري كوجود ضامن دولي يوفّر غطاءً شرعيًا يعوّض غياب الرصيد الداخلي) يتقاطع مع هذه المعادلة ويعدّل مساراتها بصورة لا يمكن إهمالها.

إن تصفية الكوادر الخبيرة لم تُضعف القدرة العسكرية فحسب، إنما أفرغت النظام من “صمامات الأمان السياسية” القادرة على تسويق التنازلات المريرة داخليًا. ونحن أمام قيادة قد تنزلق نحو “الراديكالية البقائية”: توظيف خطاب المقاومة غطاءً لمنطق بقاء ضيّق في ظل غياب الحس التاريخي الذي وازن عند جيل التأسيس بين الأيديولوجيا وبقاء الدولة. والأخطر أن هذا المنطق لا يُنتج استسلامًا ولا يُنتج انتصارًا، بل يُطوّل أمد الأزمة ويُعظّم تكاليفها على الدولة والمنطقة معًا، في حين يظل التفاوض المضمون — إن وُجد ضامنه — الممر الوحيد الذي قد يُغري قيادةً فقدت رصيدها بالخروج من المأزق دون أن تُسمّيه هزيمة.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد