نداءٌ إلى القضاةِ والساسةِ والعلماءِ والخطباءِ والمصلحينَ والإعلاميينَ وروّادِ الكلمةِ ورجال الدولة:
فتاة المحابشة في محافظة حجة تلقي بنفسها من سطح منزل أسرتها، خوفًا من إعادتها قسرًا بحكم القاضي إلى شخص لا تريده..
مظاهر وأحداث لم نشهدها بهذا المستوى من الوجع إلا في عهد مليشيا الكهنوت الحوثي الإيراني، وهذه الفتاة لا يمكن أن تقدم على الانتحار بعد شهر من زواجها كما تداولته المصادر إلا وقد بلغ بها اليأس والظلم حدًا لا يطاق.
فإجبار الفتاة على الزواج ممن لا ترضاه هو "وأدٌ معنوي" وجريمة تتنافى مع جوهر الشريعة التي جعلت الرضا أساساً للعقود؛ فالميثاق الغليظ لا يقوم على القهر، وتجاوز إرادة المرأة هو تعدٍّ صارخ على كرامتها التي صانها الخالق وصيةً نبويةً خالدة: «استوصوا بالنساء خيرًا».
إن العدالة التي لا تنصف المستضعفين هي عدالة منقوصة، واتِّباع الأعراف الجاهلية التي تشرعن الظلم الاجتماعي هو خيانة للأمانة.
فيا أيها القضاة والساسة والعلماء والمصلحون والإعلاميون ورواد الكلمة: عليكم أن تكونوا حصناً للمظلومات لا سوطاً عليهن، فالمنابر والأقلام وُجدت لتنير دروب الحق وتقتلع جذور الاستبداد الأسري الذي يقتل الروح قبل الجسد.
يا معشر الآباء والمربين، بناتكم ريحانات وأمانات في أعناقكم لا سلعاً للمقايضة، والرجولة الحقة تكمن في الحماية والاحتواء لا في التسلط وكسر القلوب. إن إكراه الابنة على حياة بئيسة هو هدمٌ لكيانها وتفريطٌ في مسؤولية سيسألكم الله عنها يوم العرض عليه.
وعلى الرغم من عظم الوجع وبلوغ اليأس مداه، نذكر بأن النفس ملكٌ لبارئها، ولا يجوز إزهاقها مهما اشتد الكرب؛ فالله رحيم بعباده وقد جعل مع العسر يسراً. إن الانتحار خسارة لفرصة النجاة والتغيير، والواجب على المجتمع أن يفتح أبواب الأمل والعدل أمام المكلومين حتى لا تضيق عليهم الأرض بما رحبت.
مأساة "فتاة المحابشة" هي نداء لكل ضمير حي لرفض الظلم الاجتماعي بكل أشكاله، وهي دعوةٌ لنا جميعاً لإحياء قيم الرحمة والمودة، ولنكن سنداً لكل من لا صوت لها، حتى يسود العدل وتُحفظ الأنفس، ونبرأ إلى الله من دماءٍ صرخت من جور العباد إلى رحمة رب العباد.
رحمة الله تغشى "فتاة المحابشة" وغفر لها.
"إنا لله وإنا إليه راجعون".