;
محمد يعقوب
محمد يعقوب

إدارة السردية الوطنية 266

2026-04-20 10:05:31

ليست السردية مجرد طريقة في رواية الحدث، بل هي الإطار الذي يحدد كيف تُفهم الوقائع، وكيف تُرتب الأولويات، وكيف تُتخذ القرارات.

shape3

من يملك السردية لا يصف الواقع فحسب، بل يوجه قراءته ويحدد مساره، ولهذا فإن إدارة السردية تعني ببساطة امتلاك المعنى قبل امتلاك القوة، ورسم الاتجاه قبل الانشغال بالتفاصيل.

إدارة السردية هي أن تقول للناس: ماذا يحدث؟ ولماذا يحدث؟ وما الذي يجب أن يحدث؟

هي أن تجمع المتفرق في فكرة واحدة، وترد الضجيج إلى أصل واضح، وتمنع التشتت في الفرعيات من أن يتحول إلى قناعات وأصول عامة، وحين تغيب هذه الإدارة لا تختفي الروايات، بل تفقد معناها، ويتحول المشهد إلى أفهام متنازعة، لكل منها جمهورها، ولا جامع بينها، ولا جذور عميقة ترتكز عليها.

ومن هنا يأتي السؤال: لماذا الحديث عن السردية الآن؟

لأننا أقرب إلى الشتات، وجولات الصراع لا تُحسم في ميادين القتال فقط، بل تُحسم ابتداءً في ميادين الوعي، ولأن أخطر ما يواجه أي مشروع وطني ليس قوة خصومه وحسب، بل ضعفه في تفسير نفسه، فحين لا تحسن الشرعية رواية قصتها، سيتكفل الآخرون بروايتها بدلاً عنها، وبالطريقة التي تخدمهم لا التي تخدمها.

في الحالة اليمنية تتضاعف الحاجة إلى "إدارة السردية"، لأن المعاناة اتسعت، ولأن المواطن الذي أثقلته الأزمات لم يعد يبحث عن خطاب عالِ النبرة، بل عن معنى يقنعه أن ما يحدث يقوده إلى خلاص، لا إلى دورة جديدة من الحروب التائهة، وهنا تصبح صناعة وإدارة السردية مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهمة إعلامية أدبية، والأصل أن يُقال له بوضوح: (إن استعادة الدولة ليست شعارًا، بل الطريق الوحيد لرفع الأذى عنه وتأمين عيشه الكريم).

إن الشرعية اليمنية بكل مكوناتها، والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وكل الأقلام التي تقف في صفهما، يجب أن تشتغل على مسارات واضحة حتى لا تتحول السردية إلى اجتهادات متفرقة أو ردود أفعال متناقضة، وأول هذه المسارات هو تثبيت المعنى وعدم السماح بتآكله، وأن تبقى استعادة الدولة هي المركز الذي تدور حوله كل الرسائل دون انحراف نحو الهوامش.

وثانيها هو توحيد اللغة، لا بإلغاء التنوع، بل بضبطه ضمن مفاهيم مشتركة واتساق في الرسائل، بحيث يتحدث الجميع بروح واحدة وإن اختلفت الأساليب، فالتعدد غير المنضبط يشتت السردية، بينما التعدد المنسجم يعمقها ويقويها.

وثالثها ربط الخطاب بالإنسان، لا بالحدث المجرد، فاليمني في الداخل تحت القهر، وفي الخارج تحت الاغتراب، ليس تفصيلاً في المشهد، بل جوهره، وكل خطاب يجب أن يجيب: ماذا يعني ذلك لحياته؟ وكيف يخفف ألمه؟ وكيف يعيد له كرامته وعيشه الكريم؟

ورابعها الانضباط في توصيف الخصم دون تعميم أو انفعال، بحيث يُفهم الصراع في إطاره الحقيقي بين مشروع دولة يعيد للناس حقهم، ومشروع المليشيات المسلحة المنفلتة، التي تُبقيهم خارج الدولة وخارج الحياة وتطورها، فالدقة هنا تحمي المجتمع من الانقسام، وتحفظ للسردية قوتها الأخلاقية.

وخامسها تحويل الجغرافيا إلى وعي حي، لا إلى أسماء جامدة، فحين يُتكلم عن باب المندب كمسؤولية وطنية، وتُقدَّم عدن كنموذج لبناء الدولة، واستعادة صنعاء كحياة جديدة مليئة بالأمل والنهضة والتنمية، تتحول الأرض إلى معنى، ويصبح الدفاع عنها دفاعًا عن الإنسان قبل المكان.

وسادسها، والأهم، الاتساق بين القول والفعل، فالسردية لا تُبنى على البلاغة وحدها، بل على المصداقية، وأي فجوة بين الخطاب والواقع تضعف السردية، وأي تناقض يفقدها ثقة الناس مهما كان الخطاب بليغًا ورصينًا.

وأخيرًا.. لا بد من الصبر لبناء السردية الوطنية الجامعة، فهي لا تُصنع في لحظة، بل تتراكم بهدوء، وتترسخ بالتكرار المنضبط، وتثبت مع الزمن حتى تصبح جزءًا من الوعي العام.

بهذه المسارات فقط تتحول إدارة السردية من مفهوم نظري إلى أداة فاعلة، ومن خطاب يُقال إلى معنى يُعاش، وحينها لا يعود الإعلام تابعًا للأحداث، بل شريكًا في صياغتها، ولا يبقى مشروع استعادة الدولة فكرة مؤجلة، بل مشروعًا يتقدم بثبات نحو التحقق.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد