تعز في ذكرى المقاومة، وتعز كلها مقاومة، لا تحتاج إلى مديح جديد، بل إلى ذاكرة عادلة.
فالمديح يبهج اللحظة، ويدهش المستمع، أما الذاكرة فتنقذ المعنى من الضياع، وتعطي الجميع حقه في التاريخ.
في الحروب، لا تموت المدن حين تُقصف، بل حين تُروى قصتها على عجل، أو تُترك لزمن بارد يكتبها بيد متأخرة، وذاكرة مثقلة بهموم الحياة، وأحيانًا قد تكون الرواية لراويها، لا للتاريخ، للخلود الشخصي، لا للذاكرة الجماعية.
الرواية في مثل هذه الظروف، تتداخل فيها البطولة بالخيانة، والوعي بالخذلان، والاتفاق بالانقسام، تصبح الحقيقة هشّة، قابلة لأن تُقتطع، أو تُؤجَّل، أو تُسرق. لذلك كان تحذير المفكر السياسي علي عزت بيجوفيتش صريحًا، وهو يكتب سيرته: المذكرات ليست تاريخًا، بل وجهة نظر. والتاريخ، إن لم يُكتب بوعي علمي، يتحول إلى روايات تتنازعها الذاكرات، لا إلى حقيقة تحميها.
تعز اليوم ليست مجرد مدينة حُوصرت، وما زالت ندوب الحصار تُثخن كل زاوية في جغرافيتها المستعصية على كسر، من يتحسسها بصدق وشجاعة سيجدها نصًا مفتوحًا لم يُكتب بعد.
نص حفره طفل على جدار: “لا تقبرونيش”،
ورسمته أسطوانة غاز تسللت عبر الطرق الالتفافية كي تستمر الحياة،
وخلّدته طالبات مدارسها نعمة والموشكي وآخرون، حين صدحن بالنشيد في زمن الخوف،
وأخضعته عجوز حين أعلنت القتال دفاعًا عن منزلها، في شموخ يومي لك أن تدافع عن فكرة الوطن لا عن جدران من طين.
ذاكرة تعز همّي، لأني أدرك أن تعز ليست حكايات عابرة، بل شواهد.
والشواهد إن لم تُجمع، تُنسى، كما نُسي تاريخ في ثورة ٢٦ سبتمبر إلا القليل مما ذُكر. وإن لم تُمحص، تُشوَّه، كما شُوّهت أحداث صيغت بعيدًا عن المنهج العلمي والإنصاف.
أقول وفي قلبي مرارة لغياب رأس المال التعزي في مشروع التوثيق، تعز تستحق أكثر من أن تُروى كذكرى؛ تستحق أن تُوثّق كحقيقة.
مركز للذاكرة، لا للتمجيد؛ للتمحيص، لا للانحياز؛
يجمع الشتات، يضع الروايات تحت ضوء المنهج،
ويحميها من أن تتحول إلى ملكية خاصة لهذا الطرف أو ذاك.
ليس تعصبًا، بل إنصافًا.
وليس ترفًا، بل ضرورة أخلاقية.
هذا أمر يجب أن يكون مأربًا، مشروعًا يدون المعارك، أبطالها، رجالها، قبل أن تبهت الذاكرة، وتذهب الصادقون إلى ربهم، ثم نستقي التاريخ من أنصاف الرجال، وحاملي جينات الخيانة.
السؤال اليوم في ذكرى المقاومة، ليس فقط ماذا حدث في تعز، بل: كيف سيُروى ما حدث؟
من حق المدينة، ومن ضحّى بقدمه، أو يديه، أو بيته، أن يجد جوابًا:
لماذا تُركت المدينة للحصار والموت البطيء؟
لماذا صارت جبهاتها حدودًا لخرائط الآخرين؟
لماذا تحول ساحلها إلى مقاطعة مُستلبة، والحُرّبان إلى جدار للحصار، وأصبحت مع الوقت لا تشبه أهلها؟
لماذا كوفئت بالإهمال: لا ماء، لا كهرباء، لا حدّ أدنى من الكرامة؟
لماذا بقيت ذاكرة الشاحنة الموت التي أودت بحياة أكثر من ١٠٠ تعزي، ونزيلات السجون، ونساء صبر ومقبنة، معلّقة بين الألم والنسيان؟
هذه الأسئلة ليست اتهامًا بقدر ما هي حق في الفهم.
والفهم لا يولد من الصمت، بل من التوثيق.
تعز تجاوزت الجغرافيا؛ صارت وعيًا وطنيًا، واختبارًا للمستقبل.
لكن الوعي، إن لم يُكتب، يتبدد.
والمدن، إن لم تُنصف، تُستعاد كرمز فارغ لا كحقيقة حيّة.
الجيل التعزي لا يبحث عن رواية رسمية تصفف الألم في عبارات نظيفة،
ولا عن تاريخ معلب يُبث في بودكاست مُهيأ بعناية ليرضي الذائقة أكثر مما ينصف الحقيقة.
ما نريده أبسط… وأصعب: ذاكرة الشارع.
ذاكرة الذي ربط الحجر على بطنه كي لا ينكسر من الجوع،
الذي خرج من سجون صالح وهو يحمل في جسده خريطة العذاب،
أصحاب المنازل التي لم تعد إليهم بعد، لا كجدران فقط، بل كحياة سُلبت،
ذاكرة المفصّعين الذين عبثوا بالمدينة كعاصفة من الفوضى، تاركين خلفهم ارتباكًا أخلاقيًا لا يقل قسوة عن القصف،
ذاكرة الساحل بما فيه من مدن أُعيد رسمها على إيقاع الأطماع الخارجية،
والحُرّبان التي عاشت الحرب مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالتجاهل.
صحيح هذه الذاكرة ليست أنيقة، لكنها صادقة.
وليست متماسكة دائمًا، لكنها حقيقية.
هي ما يجب أن يُكتب.
لأن المدن لا تُنصف حين تُروى قصتها من الأعلى،
بل حين يُصغى من الأسفل، من تلك الطبقات التي لا تصلها الكاميرات، ولا تعنيها البلاغة.
هناك فقط، حيث لا أحد يُجمّل الهزيمة ولا يبالغ في البطولة،
يتكوّن تاريخٌ يمكن الوثوق به.
نحن لا نهرب من الخيبات، بل نضعها بجوار البطولات،
نكتب الانكسار كما نكتب الصمود،
لأن المستقبل لا يُبنى بنصف الحقيقة.
كل سردٍ منقّى أكثر من اللازم هو خيانة،
وكل حكاية تُترك للسلطة وحدها تُصبح أداةً لا ذاكرة.
التاريخ حين يُكتب من زاوية واحدة، يفقد عمقه،
وحين يُجمّل، يفقد صدقه،
وحين يُترك للأشخاص، يتحول إلى سيرة، لا إلى وطن.
تعز ليست بحاجة إلى حكاية مثالية،
بل إلى حكاية كاملة.
حكاية تعرف كيف تقول: هنا انتصرنا، وهنا أخفقنا،
هنا صمدنا، وهنا تخلّينا،
هنا كنّا أوسع من الجغرافيا،
وهنا ضقنا حتى كدنا نختفي.
فالمستقبل لا يُرسم ناقصًا…
بل يُكتب ناقصًا، حين نخاف من قول كل شيء.