ما يحدث اليوم في وادي وصحراء حضرموت والمهرة ليس مجرد خلاف إداري عابر، ولا يمكن تفسيره كإجراء تنظيمي محدود الصلاحيات، بل هو مؤشر خطير على مسار أعمق يطال جوهر فكرة الدولة اليمنية نفسها. فحين تمنع فئة من منتسبي الجيش على أساس مناطقي من مجرد المثول أمام لجنة عسكرية رسمية، رغم توجيهات صريحة من وزير الدفاع، فإننا لا نكون أمام خلل إداري، بل أمام إعادة تشكيل مقصودة لمفهوم المؤسسة العسكرية..
إن أي جيش وطني، في أي دولة، يقوم على مبدأ واحد لا يقبل التجزئة: المواطنة المتساوية. وحين يتم كسر هذا المبدأ، يصبح الجيش أداة انقسام بدلا من أن يكون صمام أمان للوحدة. ما جرى من استبعاد أبناء المحافظات الشمالية، مقابل التعامل الانتقائي مع أبناء المحافظات الأخرى من قبل قائد المنطقة العسكرية الأولى المعين من قبل المملكة، يكشف بوضوح أن هناك توجها لإعادة هندسة المؤسسة العسكرية على أسس جغرافية ومناطقية، وهو أمر يتناقض كليا مع فكرة الدولة..
الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في اليمن منذ بداية الحرب كان يفترض أن يقوم على دعم الشرعية، واستعادة مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش الوطني، لكن ما تظهره الوقائع على الأرض يطرح تساؤلات مشروعة: هل الهدف فعلا هو بناء جيش وطني موحد، أم إعادة تشكيل قوى عسكرية متعددة الولاءات؟.
إن تفكيك الجيش إلى وحدات مناطقية أو ذات توجهات فكرية ضيقة لا يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: إضعاف الدولة لصالح قوى ما دون الدولة. الأخطر من ذلك هو الدفع باتجاه تشكيل جماعات عسكرية ذات طابع ديني متشدد، في وقت تعلن فيه المملكة نفسها حربا فكرية وتنظيمية على هذه التيارات داخل حدودها. هذا التناقض لا يمكن تجاهله، ويطرح تساؤلا أخلاقيا وسياسيا: لماذا يرفض هذا النموذج في الداخل، ويعاد إنتاجه في اليمن؟.
إن الدعم الحقيقي لليمن لا يكون عبر فرض واقع مجزأ، بل عبر تمكين مؤسساته الشرعية من العمل بحرية، ودعم مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لفكرة الدولة. فاليمنيون، في نهاية المطاف، لا يبحثون عن وصاية، بل عن شراكة تحترم سيادتهم وتساعدهم على بناء مستقبلهم..
إن معركة اليمن اليوم ليست فقط ضد جماعة متمردة، بل هي معركة من أجل استعادة معنى الدولة، وأي تدخل، مهما كانت نواياه المعلنة، يجب أن يقاس بمدى مساهمته في تحقيق هذا الهدف، لا بمدى تعميقه للانقسام وإضعافه لفكرة الدولة الوطنية