يدفع الشعب اليمني كلفةً باهظة لفشل الإدارة السياسية في استكمال أهداف المعارك الوطنية، وفي تحويل التضحيات إلى نتائج تُرسّخ الدولة وتُعيد بناء مؤسساتها. فحين يتعثر القرار، ويغيب الحسم، تتحول الإنجازات الجزئية إلى مسارات مفتوحة على الفوضى.
لقد شكّلت معركة إخراج النفوذ الخارجي – وفي مقدّمته النفوذ الإماراتي – عنوانًا سياديًا بامتياز، بدأت إرهاصاته في حضرموت والمهرة، وكان يُفترض أن تُستكمل وفق رؤية وطنية واضحة تنتهي إلى إنهاء أي حضور غير خاضع لسلطة الدولة وبسط السيادة على كامل الجغرافيا اليمنية. غير أن توقف هذه المعركة في منتصف الطريق فتح المجال لعودة الاختلالات، وأعاد تموضع هذا النفوذ بأشكال مختلفة.
وفي عدن، جاءت عودة الفوضى وتعثر استعادة الحكومة لمؤسساتها الرسمية انعكاسًا مباشرًا لسياسات مرتبكة، عجزت عن تثبيت حضور الدولة، وسمحت باستمرار تعدد مراكز القوة، حيث باتت بعض الأدوات الأمنية والعسكرية مرتبطة بتأثيرات خارجية، وفي مقدمتها الإمارات، أكثر من ارتباطها بالمؤسسات الرسمية.
تُطرح هنا أسئلة لا يمكن تجاوزها:
لماذا توقفت معركة إنهاء النفوذ الإماراتي عند منتصفها؟
ولماذا لم تُفعّل أدوات المساءلة القانونية بحق المتورطين في انتهاكات جسيمة، من اغتيالات واختطافات وإخفاء قسري، في ظل اتهامات متكررة بارتباط بعضها بأجندات خارجية؟
إن سياسة الإفلات من العقاب لا تخلق استقرارًا، بل تمنح مرتكبي الانتهاكات شعورًا بالأمان، وتُشجع على تكرار الجريمة، وتقوّض أسس الدولة العادلة والمواطنة المتساوية. فحين يُكافأ الفاعل بدل أن يُحاسب، يتحول الخلل إلى قاعدة، وتُهدر فكرة العدالة من أساسها.
كما أن بناء الأمن لا يستقيم دون مؤسسات موحّدة، ذات مرجعية سيادية واضحة. فاستمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، أو مرتبطة بجهات خارجية – سواء كانت إيران عبر مليشياتها في الشمال، أو الإمارات عبر تشكيلات تدعمها في الجنوب – يُبقي اليمن أسيرًا لثنائية التفكك، ويمنع قيام دولة حقيقية.
ما يجري اليوم ليس مجرد خلل ثانوي يمكن تجاوزه، بل عبث بمصير شعب، وإهدار لحاضره ومستقبله.
فلماذا يُراد لليمن وحده أن يبقى رهينة؟
رهينة مليشيات طائفية مدعومة من إيران في الشمال،
ورهنية تشكيلات مسلحة مرتبطة بالنفوذ الإماراتي في الجنوب؟
لماذا يُدفع اليمني إلى العيش بلا دولة، بلا أمن، بلا عدالة، وبلا أفق لحياة كريمة؟
إن استعادة الدولة ليست خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وجودية، تبدأ بقرار سياسي واضح لإنهاء كل أشكال النفوذ الخارجي، وعلى رأسها الإيراني والإماراتي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس السيادة والقانون.
فلا دولة مع ازدواجية السلاح،
ولا أمن مع تعدد الولاءات،
ولا عدالة مع الإفلات من العقاب.
ويبقى السؤال الأثقل:
إلى متى نقبل بهذا الواقع؟
ومتى يُتخذ القرار الذي يعيد لليمن حقه في دولةٍ واحدة، وسيادةٍ كاملة، وعدالةٍ لا تُستثنى منها جهة