مع اقتراب احتفالات شعبنا اليمني بالذكرى السادسة والثلاثين لتحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو، تتجدد في الوجدان الوطني معاني ذلك المنجز التاريخي الذي لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل ثمرة نضالات طويلة وتضحيات جسام، وحلمًا راود أجيالاً من اليمنيين حتى غدا واقعًا يعبّر عن إرادة شعب في تجاوز التشطير وبناء دولة جامعة.
لقد ظل منهج الحركة الإصلاحية الإسلامية اليمنية منهج وحدة وطنية، رغم كل ما اعترضه من عوائق وما اعتراه من قصور، إلا أن هذا المنهج الوحدوي آتى أكله وأينعت ثماره، وغدا كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. ومن هذا المنطلق، لم يكن موقف التجمع اليمني للإصلاح من الوحدة موقفًا مرحليًا، بل خيارًا استراتيجيًا أصيلاً ارتبط برؤيته لهوية الدولة واستقرارها.
واحدية التأسيس والنشأة...
ينبغي التأكيد في هذا المقام بأن الحركة الإصلاحية في اليمن نشأت جسدًا تنظيميًا واحدًا؛ إذ ضمّت في إطارها منذ البدء طلابًا وشبابًا إسلاميين من شمال اليمن وجنوبه، منذ تكوّن النواة التنظيمية وحتى الإعلان عن حركة الطليعة العربية الإسلامية عام 1963م، التي تلخص مشروعها في أربعة أهداف هي: (الإيمان، الجهاد، العدالة، الوحدة).
لقد تعرضت الحركة الإصلاحية اليمنية إلى حملات التشويه والتضليل التاريخي مع تسارع خطوات الوحدة اليمنية أواخر العقد الثامن من القرن الماضي، واتخذ عدد من السياسيين المناوئين لخط الحركة من موقفها الداعي إلى إقامة الوحدة اليمنية على أساس دستوري وطني سليم -بعيدًا عن عاهات التلفيق وآفات الترقيع الناتجة عن الصراعات الشطرية وتباين توجهات النظام في صنعاء وعدن- ذريعةً لخلط الأوراق، بتصويرهم الحركة الإسلامية الإصلاحية بأنها معادية للوحدة اليمنية! وظلت أجهزة الإعلام، ومؤلفات يكتبها أو يشرف عليها أشخاص ينتمون إلى تيارات وقوى مناوئة لها، تكرر تلك المزاعم كلما تناولت بالحديث مواقف اتجاهات وفصائل الحركة الوطنية اليمنية.
لقد ساندت الحركة الإصلاحية مشروع دولة الوحدة منذ وقت مبكر، ولم يكن موقفها يومًا رافضًا للوحدة كما يردد بعض الخصوم، بل إن اعتراضها في مراحل سابقة انصبّ على بعض الصياغات الدستورية التي رأت أنها لا تعبّر عن هوية المجتمع اليمني وثوابته. أما الوحدة في حد ذاتها، فقد ظلت هدفًا مركزيًا في أدبياتها، وهو ما تؤكده وثائق الحركة الإصلاحية اليمنية الصادرة في تلك المرحلة.
وثائق وأدبيات وحدوية...
ليس سرًا إذا قلنا إن الحركة الإسلامية الإصلاحية في بلادنا لم تقدم نتاجًا فكريًا مكتوبًا على المستوى المطلوب؛ فعلماؤها ورموزها استغرقهم النشاط التربوي والإعداد التنظيمي أكثر من أي عمل آخر، لكن لا يمنع ذلك أن تكون للحركة مواقف واضحة ومعلنة ومكتوبة إزاء القضايا والمسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن بينها قضية الوحدة اليمنية؛ إذ حفلت الأدبيات الخاصة بالحركة -منذ كان اسمها حركة الطليعة العربية الإسلامية وحتى أصبحت التجمع اليمني للإصلاح- بالتأكيد المكرر على سعيها الدؤوب لتحقيق الوحدة اليمنية القائمة على أسس صحيحة وفق الشريعة الإسلامية السمحاء.
فإضافة إلى برنامج وأهداف حركة الطليعة العربية الإسلامية التي أسسها الطلاب الإسلاميون، والتي اعتبرت الوحدة أحد الأهداف الأربعة التي تسعى لتحقيقها، أصدر شباب الحركة الإسلامية الإصلاحية في 9 مارس 1969م ما سمي بـ "قرارات مؤتمر الشباب بصنعاء وتعز"، وورد في النقطتين الحادية عشرة والثانية عشرة من البيان ما يلي:
(11) يحرص الشباب أشد الحرص على تلاحم كافة أبناء الشعب والمحافظة الشديدة على الوحدة الوطنية، كما يشجب الشباب الاختلافات الحزبية التي عرقلت سير الوحدة اليمنية ووقفت حائلاً دون تحقيقها.
(12) يطالب الشباب بالعمل الجاد من أجل إعادة الوحدة الشاملة بين جزئي اليمن (شماله وجنوبه) بالطريقة الديمقراطية العادلة، وذلك بسرعة عقد المؤتمر الوطني العام في أقرب وقت.
وانطلقت رؤية الحركة للوحدة اليمنية كما أوردها الأستاذ ياسين عبد العزيز في إحدى مقالاته الشهيرة كالآتي:
«إن الوحدة بين المسلمين كلهم واجبة شرعًا، وبين العرب كلهم أوجب، وبين أبناء الأسرة اليمانية أشد وجوبًا؛ لأن المسلمين إذا كانوا مسؤولين عن تحقيق فريضة الوحدة بموجبات ثلاث: بموجب الإنسانية، بموجب الإسلام، بموجب المصير؛ والعرب مسؤولون عن تحقيقها بموجب الإنسانية، بموجب اللسان، بموجب الإسلام، بموجب المصير؛ فإن الأسرة اليمنية مسؤولة عن تحقيقها بموجب الإنسانية، بموجب اللسان، بموجب ما وصفها به الرسول الخاتم من الإيمان والحكمة والفقه، بموجب الرحم الواحدة، بموجب الأرض الواحدة، بموجب الأعراف الواحدة، بموجب التاريخ الواحد، بموجب المصير الواحد. وعلى هذا فالوحدة اليمنية هي من أوجب الواجبات، لما يترتب عليها من مقاصد شرعية ووطنية ورحمية وعربية إسلامية إنسانية حضارية، ولا عذر للحكام الشطريين عند الله عز وجل، ولا عند شعب الإيمان والحكمة، ولا عند العرب، ولا عند المسلمين، ولا عند الإنسانية، إذا هم قصروا في إقامة وحدته، ووقفت مصالحهم عوائق دون إقامتها على منهج الله وحده...»
وتؤكد الحركة الإصلاحية «أن أمر الوحدة من أمر الإيمان، ومن فرائض الإسلام، وليس من المباحات التي فيها الخيار؛ يلتزمها أو لا يلتزمها، والخيار للناس أن يلتزموا أو لا يلتزموا، ولكنها من الواجبات التي يثاب فاعلها ويأثم تاركها.. فالوحدة من المأمورات، والفرقة والتشطير من المنهيات» (انظر: سلسلة مقالات الأستاذ ياسين عبد العزيز: الوحدة اليمانية ومرتكزاتها الثابتة، جريدة الصحوة، العددين 216 و217، تاريخ 10/5/1990م و17/5/1990م).
وجاء في افتتاحية جريدة الصحوة، التي كان يرأس تحريرها الأستاذ محمد عبدالله اليدومي، تحت عنوان: «الوحدة فريضة شرعية وضرورة وطنية»، العدد (202)، الصادر بتاريخ 11 يناير 1990م، ما يلي:
«إن الوحدة اليمنية مطلب كل يمني في مغرب الوطن أو مشرقه، وفي شماله أو جنوبـه. فكل يمني يعلم علم اليقين أن وطنه لم يقع تحت مطارق التفتيت والتجزئة إلا في ظل قيادات غلبت مصالحها الضيقة على مصالح الجماهير، وافتعلت العقبات أمام وحدة الوطن الواحد، من خلال أنظمة صُبغت بالمذهبية والسلالية أحيانًا، وبالطائفية والحزبية أحيانًا أخرى... ولذلك فإن الانسلاخ من رواسب الأمراض النتنة، وعلى رأسها الحزبية الضيقة، والتجرد من المصالح والأهواء، أمر لا بد منه لتحقيق الوحدة اليمنية... إننا، ونحن نسعى لملمة شعث شعبنا وتوحيد أرضنا، يجب أن نتذكر – وباستمرار – أن قوى ظلامية نشأت في ظل التجزئة والتشرذم... قد جعلت من الوحدة سلّمًا ارتقت به إلى سدة الحكم، وجعلت منها ناقوسًا ألهت به الجماهير عما يجب أن تحققه لها».
ويكشف هذا النص، في سياقه التاريخي، أن فكرة الوحدة لم تكن مجرد شعار سياسي لحظة إعلانها، بل كانت جزءًا من خطاب فكري وإعلامي سابق عليها، يرى فيها ضرورة دينية ووطنية، ويحمّل في الوقت نفسه قوى سياسية سابقة مسؤولية تعميق حالة التشظي عبر توظيف الانقسام لخدمة مصالحها.
مخاطر وتحديات...
وفي حرب صيف 1994، تجسد هذا الموقف عمليًا؛ إذ وقف الإصلاح بوضوح إلى جانب الدولة والوحدة في مواجهة مشروع الانفصال، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الوحدة تمثل صمام أمان لمستقبل اليمن. ثم تجدد هذا الموقف في لحظة أكثر خطورة عقب انقلاب المليشيات الحوثية في 21 سبتمبر 2014، المتحالفة مع نظام علي عبدالله صالح، حيث مثّل ذلك الانقلاب تهديدًا مباشرًا للجمهورية والوحدة معًا، وسعيًا لإعادة إنتاج مشروع إمامي ذي طابع سلالي وطائفي.
ومن هذا المنطلق، يؤكد الإصلاح أن مواجهة مشروع الإمامة الذي عاد بصيغته الأكثر سوءًا وقتامة هو البوابة الأولى في الحفاظ على الوحدة الوطنية؛ باعتبار أن الإمامة كانت وما زالت أكبر مهدد لها عبر مراحل الصراع التاريخي المختلفة، وهذا يقتضي وحدة كافة القوى الوطنية شمالاً وجنوبًا في مواجهة هذا الخطر الكبير الذي يهدد وحدة وهوية الوطن أجمع، والتجمع اليمني للإصلاح يدرك خطورة هذا المشروع ويتصدى له منذ أول يوم أطل برأسه. وفي مواجهة ذلك، انحاز الإصلاح إلى الشرعية الدستورية، وشارك في مختلف الجهود الرامية إلى استعادة الدولة.
ولأن هذا المنهج الوحدوي لم يكن مجرد خطاب، بل ممارسة اجتماعية متجذرة، فقد برز دور أبناء الحركة الإصلاحية في مختلف المحافظات بوصفهم سدًا منيعًا في وجه كل محاولات التمزيق. فقد ظل الإصلاحيون من أبناء تعز وإب والبيضاء والحديدة وغيرها في طليعة من أفشلوا محاولات الإثارة الطائفية ذات الطابع المناطقي، كما وقف الإصلاحيون من أبناء صنعاء وصعدة وحجة في مواجهة محاولات الإثارة المذهبية، في حين شكّل أبناء بكيل ومذحج وغيرهما ركيزة في إفشال النزعات القبلية الضيقة. أما في المحافظات الجنوبية، من عدن إلى حضرموت مرورًا بلحج وأبين وشبوة، فقد كان للإصلاحيين حضور بارز في التصدي لمحاولات إحياء الانقسام الشطري، خصوصًا في المراحل السياسية الحرجة.
غير أن التحديات التي تواجه الوحدة اليمنية اليوم لم تعد مقتصرة على مسار واحد؛ إذ برزت مخاطر متعددة، في مقدمتها المشاريع الانفصالية ذات الطابع المناطقي، ومحاولات إحياء الانقسامات التاريخية على أسس مذهبية وجهوية، إلى جانب ضعف مؤسسات الدولة، وتراكم المظالم، وتدخلات إقليمية تغذي حالة الانقسام. وهي مخاطر تجعل من الوحدة الوطنية قضية حاضرة لا تقل أهمية عن لحظة تحقيقها.