يعكس بيان اللجنة الأمنية في حضرموت إشكالية أعمق من مجرد صياغة سياسية أو موقف ظرفي؛ فهو يكشف عن ارتباك واضح في فهم العلاقة بين حرية التعبير بوصفها حقا دستوريا، وبين الفوضى التي تمارس تحت هذا العنوان!.
فالبيان، من حيث الشكل، يقر بأن حرية الرأي مكفولة بالدستور والقانون، لكنه في المضمون يعجز عن وضع حد فاصل بين “التعبير المشروع” و“السلوك الذي يهدد كيان الدولة”. وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يمكن اعتبار الدعوات إلى إسقاط دولة قائمة أو الترويج لكيانات موازية مجرد تعبير سلمي؟ وإذا لم يكن ذلك إخلالا بالأمن وتعريضا للسلم الاجتماعي للخطر، فما هو الإخلال إذن؟.
إن حرية التعبير في الفقه الدستوري ليست مظلة مفتوحة لكل شيء، بل هي حق مقيد بضوابط واضحة، في مقدمتها عدم التحريض على العنف، وعدم تهديد النظام العام، وعدم بث الكراهية أو الانقسام. هذه ليست قيودا استثنائية، بل هي القاعدة في مختلف دول العالم، بما في ذلك أكثرها ديمقراطية. ففي تلك الدول، لا يسمح بتحويل الشارع إلى أداة ضغط فوضوية، ولا تترك الدعوات التي تمس وحدة الدولة أو استقرارها دون مساءلة، بل تواجه بحزم من قبل مؤسسات الدولة التي تحتكر استخدام القوة لحماية النظام العام..
غير أن ما يحدث في السياق اليمني يعكس حالة معكوسة، حيث تبدو السلطة عاجزة عن ترجمة هذه المبادئ إلى واقع. فبدلا من فرض القانون بشكل متساو، يترك المجال لتحركات تحمل في طياتها تحريضًا صريحا للشارع، وخطابا يغذي الانقسام، دون ردع حقيقي. وهذا لا يعبر عن احترام للحقوق، بل عن فراغ في السلطة، وخلل في فهم وظيفة الدولة نفسها..
إن حماية حرية التعبير لا تعني التساهل مع الفوضى، كما أن الحفاظ على الأمن لا يتحقق بالبيانات، بل بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء. فالدولة التي تعجز عن التمييز بين النقد المشروع والتحريض الخطير، أو تتردد في مواجهة التجاوزات، تفتح الباب أمام تآكل هيبتها، وتحول الحقوق إلى أدوات للفوضى بدل أن تكون ضمانات للاستقرار..
وفي النهاية، فإن المشكلة ليست في النصوص التي يكررها البيان، بل في غياب الإرادة لتطبيقها، فحين تتحول القوانين إلى عبارات إنشائية، وتترك الساحة لخطاب الكراهية والتحريض، فإن الحديث عن “السلم الاجتماعي” يصبح مجرد شعار لا يعكس واقعا، بل يغطي على عجز يتسع يوما بعد آخر..