في بلادي ..
لا تبدأ الحكاية من الجريمة،
بل من البيان الذي يُكتب بعدها،
باردٌ كجثةٍ تُركت في العراء،
يوقّعه القاتل…
ويُرسل تعازيه إلى ضحيته.
في بلادي…
تُبدّل الحقيقة أقنعتها كما تُبدّل المدن أسماءها،
القاتل يحرس البوابة،
يمسك مفاتيحها بيدٍ تعرف الطريق إلى الزناد،
ويبتسم…
كأن الأمن وظيفة، لا ذاكرة.
هنا…
لا يهرب القاتل من ظله،
بل يطارده في الآخرين،
يلاحق الضحية حتى بعد موتها،
يُعيد قتلها في نشرات الأخبار،
وفي محاضر الاتهام،
وفي صمت الذين رأوا… ولم يقولوا.
في بلادي…
تُغسل الدماء ببيانات الشجب،
وتُكوى الجريمة بخطابٍ حقوقي أنيق،
يُمنح القاتل صفة “ناشط”،
وتُمنح الضحية صفة “شبهة”.
المعلم متهمٌ بسبورته،
والمهندس بخرائطه،
وخبير التنمية… بجريمته الكبرى:
أنه حلم ببلدٍ لا يُدار بالخوف.
في بلادي…
ينقلب الميزان حتى يتعب من ذاته،
فيصبح الإرهاب مؤسسة،
وتصبح المؤسسة غطاءً للإرهاب،
وتُعلّق العدالة على جدارٍ مائل،
كلما حاولت أن تقف…
أسندوها بالكذب… فسقطت.
هنا…
لا يُسأل القاتل: لماذا قتلت؟
بل: كيف تريد صياغة الإدانة؟
أي لغةٍ تُريحك؟
أي عدسةٍ تُخفّف عنك وضوح الجريمة؟
في بلادي…
تُلتقط الصور بعناية،
القاتل في المنتصف،
السياسي إلى جواره،
والضحية… خارج الإطار،
كأنها لم تكن.
لكن…
ثمة ما لا يُقتل.
ثمة ذاكرة،
لا تقرأ البيانات،
بل تقرأ الوجوه،
وتعرف… من صافح الدم،
ومن حاول إنكاره.
ثمة أمّ
لا يهمها اسم القاتل في المنصب،
تعرفه من فراغ الكرسي،
ومن صمت الباب.
في بلادي…
قد يتأخر العدل،
وقد يُهان،
وقد يُؤجَّل إلى أجلٍ لا يُكتب في التقويم…
لكن الحقيقة لا تُدفن.
لأن الدم
لا يجفّ بالحبر،
ولأن البلاد، مهما خذلوها،
تحتفظ بأسماء أبنائها…
وتكتبهم
في سجلٍ لا تمحوه المناصب.