كلُّ صباحٍ في عدن لم يعد يشبه الصباحات.. إنه أشبهُ بجرسِ فاجعةٍ يُقرَع على مهل، يوقظ المدينة لا على ضوءٍ ولا أمل، بل على خبرٍ يُثقِل القلب قبل أن تستفيق العيون. بالأمس سقط اسمٌ من قائمة العلم، الدكتور عبدالرحمن الشاعر، كأن رصاصةً لم تُصِب رجلاً فحسب، بل أصابت فكرةً كانت تحاول أن تبقى حيّة. واليوم يُختطف وسام قائد، المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، رائدٌ من صُنّاع الإنجاز، ثم يُلقى جسدًا بلا روح، وكأن المدينة تُجبَر على حفظ أسماء ضحاياها أكثر مما تحفظ أسماء أبنائها الأحياء.
عدن.. المدينة التي كانت تفتح ذراعيها للبحر كما لو أنها تعانق الحياة نفسها، تقف اليوم على حافة وجعٍ لا يشبهها. كانت ذات يوم قصيدةً من نور، تُقرأ في عيون أهلها، وتُسمع في ضحكات أطفالها، وتُشمّ في هوائها المالح الذي يوقظ الحنين. أما اليوم، فقد صار ذلك الهواء مثقلاً برائحة الخوف، وكأن البحر الذي اعتاد أن يطرد كل قبيح، بات عاجزًا عن غسل ما علق بالروح من سواد.
لم تعد الحكايات في عدن تُروى عن العلم والثقافة والفن، ولا عن المراكب العائدة، والشاطئ الذي روى حكايات المحبين، بل عن رصاصٍ غادر، وخطفٍ مباغت، ووجوهٍ تختفي قبل أن تُكمل جملتها الأخيرة. صار الموت يمرّ خفيفًا، كأنه أمرٌ اعتيادي، وكأن المدينة أُجبرت على التعايش مع فجيعتها اليومية، تُقسّط أحزانها يومًا بعد يوم حتى أثقلها الصمت.
أيّ يدٍ خبيثة تلك التي امتدت إلى قلب عدن؟ وأيّ ظلامٍ تجرأ على اقتحام مدينةٍ عُرفت بنقائها؟ كأنما تحوّلت الشوارع إلى مسارح للغدر، والوجوه إلى أقنعة لا تُقرأ، والليل إلى شريكٍ في الجريمة. حتى البحر، الذي كان شاهدًا على صفاء هذه المدينة، بدا وكأنه يصمت على مضض، يراقب ما يجري، ولا يملك إلا أن يرتدّ موجُه حزينًا.
المأساة ليست في الجريمة وحدها، بل في العجز الذي يحيط بها. سلطاتٌ مرتبكة، ومشاريعُ وُلدت لتبقى ناقصة، وأحلامٌ تُركت في منتصف الطريق حتى أصاب المدينة شللٌ ثقيل. كأن الزمن في عدن توقّف، لا لراحةٍ، بل لاحتضارٍ بطيء، يُبقيها معلّقة بين ما كانت عليه وما آلت إليه.
ومع ذلك، لا تزال في عدن بقيةُ نبض. لا تزال هناك قلوبٌ تأبى الانكسار، ونفوسٌ ترفض أن تستسلم لهذا القبح الطارئ. فهذه المدينة لم تُخلق لتكون مأوى للقتلة، ولا ساحةً للخراب، بل كانت دائمًا بيتًا للحياة، ومرفأً للأمل، وملاذًا لكل من ضاقت به الأرض.
إن الصمت في وجه هذا الانحدار خيانة، ورفع الصوت ضرورة. لا بد من يقظةٍ تعيد للأشياء أسماءها، وللحق مكانه، وللإنسان كرامته. لا بد من أن ينهض من بين هذا الركام صوتٌ صادق، ومشروعٌ نقي، وإرادةٌ لا تساوم، تعيد لعدن وجهها الذي نعرفه.
يا عدن، يا وجع البحر حين يُخذل، ويا حنين المدن حين تُغتال.. لستِ وحدكِ، ما دام فيكِ من يؤمن بأن النور، مهما خفت، لا ينطفئ. وما دام فيكِ قلبٌ واحدٌ ينبض للخير، فستجدين طريقكِ من جديد، ولو بعد حين.
ومع ذلك، ثمة رجاءٌ يتسلّل بين الشقوق..
رجاءٌ يشبه دعاءً مرتعشًا: يا غارة الله، تداركي عدن.
لمسةُ حنانٍ إلهيّ قد تعيد للقلوب طمأنينتها، وقد تُسكِت هذا الضجيج الأسود الذي يلتهم كل جميل.
ألا من سلطةٍ تفيق من غفوتها الثقيلة، فتدرك أن المدن لا تُدار بالصمت؟
ألا من صوتٍ يرتفع، من الناس، من الشوارع، من القلوب، يرفض هذا الخراب ويقول: كفى؟
إن عدن لا تحتاج فقط إلى من يرثيها، بل إلى من ينهض بها.
تحتاج إلى يقظةٍ تُعيد ترتيب الأمان ووضعه في مكانه الصحيح، وتُعيد للحق هيبته، وللحياة معناها.
يا عدن..
رغم كل هذا الليل، لا بد أن لكِ فجرًا يتكوّن بصبر.
ورغم هذا الألم المتراكم، لا بد أن فيكِ قلوبًا لم تتعلم الانكسار بعد.
فإذا اجتمع الصوت الصادق مع الإرادة، سيعود البحر كما كان.. يغسل كل الأدران.
وتعودين أنتِ.. مدينةً تُحسن صناعة الحياة، لا تعداد الأموات.
رحم الله الأستاذ وسام قائد، وأسكنه فسيح جناته وتقبله مع الشهداء والصالحين من عباده، وأنتقم الله من كل يدٍ خبيثة سفكت دماء الأبرياء وعبث باستقرار عدن وأمن أهلها.